تقلص الإقراض الدولي يهدد مستقبل العولمة المالية
غريزة العودة إلى الوطن ترتبط عادة بعالم الحيوان. مع ذلك نجد في أوقات الأزمات أن عالم الحيوان يأتي إلى الأسواق المالية. خذ مثلاً الأحداث التي وقعت منذ اندلاع أزمة الانقباضالائتماني في شهر آب (أغسطس) من عام 2007. حين أخذ الجشع يتراجع أمام غريزة الخوف، راح المستثمرون والمصرفيون يتصرفون مثل كثير من الحمام العائد إلى أعشاشه، وأحدثوا انعكاساً في مسار العولمة المالية، حين أخذوا بالتراجع إلى أسواقهم المحلية.في الوقت نفسه فإن إعادة تدوير فائض المدخرات في الحساب الجاري في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا لتمويل العجز في الدول ذات الإنفاق العالي في عالم البلدان الناطقة بالإنجليزية، هذه العملية تخلق توترات متزايدة، حيث إن الصين بدأت بالمجادلة في سبيل إنشاء عملة شاملة للاحتياطي لتحل محل الدولار. وفي ظل هذه الخلفية فإن مستقبل العولمة المالية يبدو محاطاً باللبس بصورة متزايدة. المدى الذي وصل إليه هذا المد يبدو واضحاً في الأرقام التي نشرت في الأسبوع الماضي من بنك التسويات الدولية، وهو البنك المركزي للبنوك المركزية، التي تُظهر أن الإقراض عبر الحدود من قبل البنوك تقلص بمقدار 4,800 مليار دولار (3,600 مليار يورو، 3,200 مليار جنيه استرليني) ليصل إلى 31 ألف مليار دولار خلال فترة الأشهر التسعة المنتهية في شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي، وهي أكبر نسبة هبوط في تاريخ البنك. خلال الفترة الأخيرة فإن حركة الإقراض بين أكبر 30 اقتصاداً في العالم أصيبت بالتشنج. وهذه الظاهرة لافتة للنظر بصورة خاصة في الولايات المتحدة، حيث شهدت الأرباع الثلاثة الأخيرة من العام الماضي هجرة جماعية لرأس المال الأجنبي بمقدار 109 مليارات دولار، في مقابل تدفق الأموال بمقدار 774 مليار دولار إلى داخل الولايات المتحدة خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الذي سبقه. وبعد إنقاذ بنك بير شتيرنز في شهر آذار (مارس ) 2008، كان غرائز العودة إلى الوطن لدى الأمريكيين أكبر حتى من ذي قبل. فقد أعادوا إلى الولايات المتحدة 750 مليار دولار خلال الأرباع الثلاثة الأخيرة، وهذا يساعد في تفسير السبب وراء قوة الدولار غير المتوقعة أثناء الأزمة. يشير صندوق النقد الدولي إلى أن التراجع في عمليات الإقراض عبر الحدود في النظام البنكي يحدث على نحو أسرع من إجمالي عملية تخفيف القروض في التعاملات المالية، حيث يتم في الوقت الحاضر تقليص عمليات الاقتراض بصورة عجيبة في مختلف أنحاء العالم، في أعقاب انفجار فقاعة الائتمان. وهناك تقلص مستمر في النسبة التي تشكلها الموجودات عبر الحدود من الميزانيات العمومية للبنوك، إلى جانب التراجع في أحجام القروض الجماعية العالمية. يتوقع صندوق النقد الدولي أن تكون الضربة قاسية على وجه الخصوص بالنسبة لبلدان الأسواق الناشئة، على اعتبار أن الانقباض الائتماني في البلدان المتقدمة يؤدي إلى حالات من "التوقف المفاجئ" في حركة القروض عبر الحدود. كذلك فإن الخسائر البنكية المتصاعدة في البلدان المتقدمة تترتب عليها ما يعرف بتعبير "آثار الجولة الثانية"، حيث يشهد المستثمرون في الأسواق الناشئة، مثل صناديق التحوط، تقليص المبالغ المتاحة لقروضهم بالضبط في اللحظة التي يواجهون فيها مستويات عالية من إغلاق الصفقات واسترداد الأموال. عمليات تقليص الديون المذكورة تؤثر كذلك على نشاطات أخرى عبر الحدود، مثل تجارة المناقلة، حيث يقترض المستثمرين أموالاً من البلدان التي تعطي عملتها عوائد متدنية لاستثمارها في البلدان التي تعطي عملتها عوائد مرتفعة. يقول معهد التمويل العالمي، وهو عبارة عن ناد للبنوك العالمية، إن التراجع في صافي حركة رأس المال الخاص إلى الأسواق الناشئة يتشكل بالتدريج ليصبح أعجب تراجع من نوعه في التاريخ. جزء من هذا التراجع في النشاط العابر للحدود هو صورة للغريزة المعروفة تماماً والتي تدفع بأصحابها للعودة إلى المسكن أثناء العاصفة. بالنسبة للمستثمرين الأمريكيين، كان من شأن قوة الدولار، الناشئة عن عودة الأموال، أن أضرت أكثر من ذي قبل بالجاذبية التي تتمتع بها الاستثمارات في عملات غير الدولار. ما زاد من سوء الوضع في تقوقع عمليات الإقراض العابرة للحدود في النظام البنكي هو شُح التمويل بالعملات الأجنبية، الذي دفع إلى الأعلى بتكاليف سيولة العملات الأجنبية. كذلك كان من شأن عمليات إنقاذ البنوك التسريع في الحد من حركة الأموال العابرة للحدود، لأن كثيراً منها تتعرض لضغط كبير للدخول في الحمائية المالية. البنوك المؤممة وشبه المؤممة تعطي الأفضلية للإقراض المحلي على حساب التعاملات الأجنبية. هذا الأمر يضر على وجه الخصوص بالأسواق الناشئة في أوروبا وبلدان الاتحاد السوفياتي السابق، حيث يمتلك الأجانب معظم النظام البنكي المحلي. فالبنوك السويدية مثلاً تمتلك حصة كبيرة في بلدان بحر البلطيق، التي تضررت بفعل الأزمة المالية، في حين أن البنوك اليونانية لها تعاملات كبيرة مماثلة في رومانيا وبلغاريا. يعتقد صندوق النقد الدولي أنه في حين أن البنوك الناضجة في الأسواق الأم ربما يوجد لديها رأس مال يكفي لتمويل عمليات إعادة رسملة البنوك التابعة لها في بلد أو بلدين من بلدان الأسواق الناشئة، إلا أن من غير المرجح أن يتوفر لديها رأس مال يكفي لإعادة رسملة جميع البنوك التابعة لها في البلدان الأخرى. لاحظ أن حركة رأس المال العابر للحدود لا تسير جميعاً في اتجاه العودة إلى الوطن. ذلك أن عمليات الإنقاذ التي قام بها البنك المركزي الأمريكي للمجموعة الدولية الأمريكية للتأمين AIG كان من شأنها صب مبالغ ضخمة في بنوك غير أمريكية. كما أن تسهيلات الدولار التي منحها البنك المركزي الأمريكي لعدد من الدول، والتي يتم بموجبها تبادل العملات مع البنوك المركزية الأخرى لتخفيف النقص الموجود لديها من الدولار في أسواق التعاملات بين البنوك الأجنبية، هذه التسهيلات تسير كذلك ضد الاتجاه العام. من جانب آخر فإن حركة رأس المال الرحبة التي تتم بالطريق الرسمي، من خلال توجيه الحكومات والبنوك المركزية، تعطينا صورة أكثر تعقيداً. إن قصة حركة رأس المال الرسمي هي أساساً قصة الاختلالات العالمية، التي تقع في قلب الأزمة المالية. تراكمت المدخرات الفائضة في بعض من أكبر الاقتصادات في العالم، وظهرت هذه الأموال على صورة فائض في الحساب الجاري، إلى جانب أموال هائلة من تراكم الاحتياطيات التي تُستثمَر بصورة كبيرة في موجودات مقومة بالدولار. فإذا صرفنا النظر مؤقتاً عن البلدان التي يعتمد اقتصادها على العوائد النفطية فإن أكبر مبالغ الاحتياطي المذكورة موجودة في البلدان التي تسير في عملية نمو قائمة على الصادرات، وفي الغالب يكون ذلك على أساس أسعار متدنية لصرف العملات. أكبر ثلاثة بلدان في هذا الجانب هي الصين، حيث بلغ الفائض في عام 2007، حسب تقديرات صندوق النقد الدولي، 11.1 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، وألمانيا، التي بلغت نسبة الفائض لديها 5.6 في المائة، واليابان، بنسبة تبلغ 4.9 في المائة. بالنسبة للكثيرين يعتبر الادخار بحد ذاته من الفضائل. ولكن كما أوضح كينز في الثلاثينيات فإن ما يعتبر فضيلة بالنسبة للفرد ربما يكون ضاراً بالنسبة للاقتصاد، على اعتبار أن ارتفاع المدخرات في طور الركود الاقتصادي يقلل من إجمالي الطلب. وتأكيداً لذلك نرى أن البلدان الثلاثة التي تعاني من أكبر كميات من الإغراق في المدخرات تعاني بالضبط من فقر هيكلي في الطلب المحلي. ولو لم تكن الولايات المتحدة وبلدان أخرى على استعداد للاقتراض وإدخال توازن الفائض في تلك البلدان من خلال تحملها عجزاً مقابلاً في الحساب الجاري ضمن نظام معولم، فإن البلدان ذات الفائض كانت ستعاني جميعاً من هبوط كبير على غرار ما حدث في الثلاثينيات. يعتبر الفائض في بلدان العائدات النفطية ذا طابع دوري، وهو يمر الآن في حالة تراجع. البلدان ذات الفائض الهيكلي تواجه مشكلة ذات صعوبة كبيرة، لأن الولايات المتحدة تنتقل الآن إلى فائض القطاع الخاص. في الوقت الحاضر هناك تراجع في الإنفاق الرأسمالي في قطاع الشركات، في حين أن مدخرات الأسر ترتفع بصورة سريعة، في وجه مشاعر اللبس الاقتصادية، حيث يعمل الناس على نقل أموالهم من أسواق المال ذات العوائد المتدنية لتسديد القروض السكنية ذات الفوائد الأعلى. وإن المدخرات المتصاعدة في القطاع الخاص يتم التعويض عنها جزئياً من خلال ارتفاع العجز الحكومي. يقول تشارلز دوماس، من شركة لومبارد ستريت للأبحاث، إن من نتائج ذلك أن متطلبات الولايات المتحدة من الأموال الأجنبية تتقلص إلى جانب العجز في حسابها الجاري. مع ذلك فإن ميل البلدان ذات الفائض للادخار يظل مرتفعاً. ويضيف دوماس أن النتيجة هي أن البلدان ذات الادخار العالي تعاني من انهيار في الدخل، وعلى رأسه الصادرات، وهذا الوضع سيستمر إلى أن يعمل التحول المتأخر في الإنفاق المحلي على تقليص صافي المدخرات. من الواضح على ما يبدو أن التكويم الهائل للاحتياطيات لم يوفر حماية ضد الانهيار في التجارة العالمية التي فتكت بصادرات بلدان المدخرات العالية. وكما كانت عليه الحال في الثلاثينيات، فإن الانهيار في التجارة يؤدي الآن إلى اختلالات صغيرة. وإذا حكمنا بتطور الأوضاع في الثلاثينيات، فإن البلدان التي تعاني من العجز ربما تخرج من مأزق الرمال المتحركة أسرع من غيرها. وبالتالي فأين سيكون موقع العولمة المالية نتيجة لذلك؟ في الأسابيع الأخيرة عادت شهية المخاطر إلى الظهور في الأسواق. تشير الأرقام من شركة إي بي إف آر جلوبال لتزويد البيانات إلى وجود تدفقات إيجابية صافية إلى صناديق الأسهم في بلدان الأسواق الناشئة على مدى الأسابيع السبعة الماضية، إلى جانب تجدد الاهتمام في السندات ذات الخطورة العالية. في مجتمع الاستثمار (ولكن ليس في قطاع العقارات أو في الأسهم الخاصة) قطع التخلص من الديون الثقيلة مرحلة متطورة للغاية، وذلك بالنظر إلى الأدوات الاستثمارية ذات الديون الثقيلة مثل صناديق التحوط. في بيئة تتسم بأسعار فائدة متدنية للغاية فإن جاذبية تجارة المناقلة تعيد تأكيد نفسها. وسيظل كثير من المستثمرين يتطلعون إلى التنويع عبر الحدود على أنه تحوط ضد ضعف العملة المحلية في عالم يتسم بوجود قدر هائل من اللبس. مع ذلك فإن درجة اتخاذ المخاطر من قبل البنوك، التي لا تزال تفتقر إلى رأس المال، ستكون خافتة، لأن الأجهزة الرقابية والتنظيمية تضغط على هذه البنوك لتكون أقرب إلى أنموذج المنافع، وتضغط في سبيل استمرار عملية تخفيف الديون في التعاملات. وستسعى الحكومات في كل مكان إلى حماية المودعين من انهيار البنوك الأجنبية. خذ مثلا ًما حدث بالنسبة لأيسلندا، حيث وضعت الحكومة البريطانية يدها على الموجودات الأيسلندية لصالح المودعين البريطانيين. وهذا يمكن أن يعني المزيد من القواعد المقيدة للبنوك حول فتح فروع لها عبر الحدود وحول رسملة البنوك التابعة في بلدان أجنبية. بالنسبة لحركة الأموال الحكومية فإن مجموعة العشرين، المؤلفة من البلدان المتقدمة وبلدان الأسواق الناشئة، لم تقم بشيء يذكر للتصدي للمشكلة طويلة الأجل المتعلقة بالاختلالات. ولكن الأمر الواضح هو أن البلدان الناطقة بالإنجليزية لن تستوعب فائض المدخرات من خلال الدخول في عملية قوية أخرى من الاقتراض والإنفاق. كما أن صفقة التحفيز الاقتصادي في الولايات المتحدة وغيرها من البلدان ليس بمقدورها أن تعطي بلدان المدخرات الفائضة إلا تسكيناً مؤقتاً. من وجهة النظر العالمية فإن الناتج المرغوب هو أن تعمل بلدان الفائض على تحفيز الطلب المحلي وتتبنى أنظمة لأسعار العملات لا تساعد على تكويم الفائض والاحتياطي. حسب ما تشير الدلائل الحالية فإن الصين تتبع سبيل تحفيز الطلب المحلي من خلال زيادة الاستثمار بدلاً من تقليص المدخرات، وشعرت اليابان بالصدمة من انهيار التجارة وكان رد فعلها هو إصدار قرارات جديدة ومهمة بهدف التحفيز الاقتصادي. من جانبها تظل ألمانيا متمسكة بثبات بالمسار الذي يحافظ على فائض المدخرات والتوسع المعتدل في المالية العامة. من السابق لأوانه الآن أن نتأكد من إمكانية حل مشكلة الاختلالات عن طريق المزيد من العولمة المالية، من خلال المزيد من أسعار الصرف المرنة أو أشياء من هذا القبيل، في عالم يتزايد ميلاً نحو الحمائية، حيث تتحول الولايات المتحدة إلى مدخرات خاصة عالية بصورة دائمة وتفقد صبرها من البلدان ذات المدخرات الفائضة. بالنسبة للوقت الحاضر، يتوقف الكثير على قدرة العالم على شق طريقه لتحقيق النتائج الإيجابية على نحو غير منظم. الاقتصادية الالكترونية هل أعجبك هذا المقال؟
إقرا المزيد من أخبار العولمة:
المزيد عن العولمة
|
تمّت قراءة هذه المقالة 251 مرّة








