أضف هذا الموضوع على مواقع أخرى
|
2009/6/2 الساعة 9:56 بتوقيت مكّة المكرّمة
المجال الذي كُتب عنه الكثير يتمثل بما تحمله العولمة من ثقافة تهدد ثقافات الشعوب الأخرى، وقد قيل: "من ضاعت ثقافته ضاعت هويته، أو ضاع استقلاله".
ما من نظام اقتصادي إلا ويجب أن يحمل ثقافة تدعمه وتعزِّزه، فهو لا يستطيع أن يعتمد على بندقية الشرطي الذي يحرسه فقط، ولا على النظام السياسي الذي يحميه فقط، وإنما يجب أن تعزَّز قيمه ومبادِئُه، وتصبح ذات شيوع وسطوة وقبول عام، وهنا تأتي الثقافة لتلعب دورها إلى جانب الشرطي والسياسي في تكريس النظام الاقتصادي المعني، وقد راحت تزداد أهمية التكنوقراط والمثقفين عديمي الضمير للترويج للبضاعة الفكرية، والثقافية، والسياسية للعولمة مقابل رواتب سخية أو "مساعدات" مالية هائلة لمراكز البحوث أو منظمات غير حكومية؛ ولهذا ضربت العولمة جذورها، وقد راحت تضرب تلك الجذور في أجهزة الإعلام ومراكز البحث والدراسات والمنظمات غير الحكومية، وفي الجامعات، وفي مجالات المسرح والإنتاج السينمائي، وبكل ما له صلة بالفكر أو بإعادة صياغة العقل أو النشاطات الاجتماعية.
وإذا كانت العولمة - اقتصاديًّا - امتدادًا للرأسمالية الاستعمارية العالمية ولرأسمالية الشركات متعدية الجنسية، فهي - ثقافيًّا - امتداد للثقافة التي صاحبت هذه المراحل، وإذا كانت العولمة تمثل مرحلة جديدة في الرأسمالية الإمبريالية العالمية، ويسمِّيها البعض ما بعد الإمبريالية، فإن الثقافة التي تنشرها وتنتشر معها وتُعقد لها السيادة على مستوى عالمي يجب أن تكون متناسبة مع المرحلة الجديدة؛ لتدافع عن سمات السيادة على مستوى عالمي يجب أن تكون مناسبة مع المرحلة الجديدة لتدافع عن سمات النظام العالمي الجديد الذي تحمله العولمة، بما في ذلك إيجاد المسوغات للحروب التي تشنها الولايات المتحدة، ولتؤيد انتهاك سيادة الدول والتدخل في شئونها الداخلية.
فهي من جهة بحاجة إلى أن تشيع ثقافة تنتقل بالثقافة الرأسمالية الغربية إلى الثقافة الرأسمالية العولمية المؤمركة. ، فالعولمة بقيادة الولايات المتحدة تتجِّه إلى إخضاع البلدان الرأسمالية الأخرى لسيطرتهم بصورة أشد مما فعلت بعد الحرب الاستعمارية العالمية الثانية؛ ولهذا يشعر قادة غربيون أوروبيون كثيرون، وكذلك يابانيون، ومعهم فئات واسعة من المثقفين أن العولمة المؤمركة تهدِّد ثقافاتهم وهوياتهم، وكما قال الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتيران: إن من يفقد ثقافته وهويته يفقد سيادته أو استقلاله، أما السبيل إلى ذلك فيكمن في الاتجاه العولمي الأمريكي، كما تجلى في مفاوضات الجات، لمعاملة الثقافة ومؤسساتها كمعادلة السلع المادية من الكوكاكولا إلى السيارة إلى المنتجات الزراعية، وهذا ما أسماه البعض بتحويل الثقافة إلى سلعة، وبتحويل المؤسسات الثقافية (مثلاً مراكز الإنتاج السينمائي والتلفزيوني والمسارح وسائر دور النشر) إلى البيع والشراء في السوق لكل من شاء، سواء أكان مواطنًا أم كان من رعايا بلد آخر، وهذا يعني رفع الحماية المحلية عنها لكي يسهل بيعها للمؤسسات المالية العالمية التي تضعها في خدمة العولمة المؤمركة، أو حتى تخرجها من السوق ليبقى الميدان خاليًا تمامًا لألاعيبها.
إذن نحن أمام إشاعة الثقافة العولمية ذات الطابع المؤمرك والمتجهة إلى إقصاء الثقافات الأخرى، وتذويب الهويات تحت شعارات مثل: "المواطنية العالمية"، و"القرية العالمية"، و"القيم الكونية"، وذلك ليس من خلال قيمتها الثقافية أو منافستها الثقافية، وإنما من خلال قوتها المالية وقدرتها على التوزيع، وعلى إنتاج ثقافة الغرائز أو الثقافة المعلَّبة السطحية، كما على شراء ما في السوق أو إزاحته من المنافسة حين ترفع الحماية، ويصبح المعيار هو البقاء للأقوى والأغنى، ولمن يملك الطائرة، والدبَّابة، والصاروخ قبل كل شيء.
إذن نحن أمام خطر تحويل الثقافة نفسها ومؤسساتها إلى سلعة، أو كما يقول البعض "تسليعها"، فثقافة الجنس، والعنف، والإعلان، والتلاعب بالتاريخ، واللاقيمة، واللاأخلاقية واللامعنى، وثقافة تمجيد القوة والمصالح والسيطرة وازدواجية المعايير، وفي بلدنا على الخصوص ثقافة الصهينة هي التي يُراد لها أن تصبح ثقافة العالم وهوية الشعوب المختلفة.
ومن هنا فإن المعركة في المجال الثقافي سواء أكان من جانب العولمة وأبواقها أم من جانب معارضيها ستحتدم أكثر فأكثر مع تغلغل العولمة ومحاولتها السيطرة على المراكز الثقافية والإعلامية والتعليمية، ومن هنا نجد أولى طلائع هذه المعركة أخذت تبرز في مجال الهجمات الشعواء ضد الإسلام، وضد الهوية العربية، وضد شعارات الاستقلال، والتحرر، والوحدة، وضد كل القيم التي تحافظ على العائلة، والأخلاق، وتعارض دعوات الانحلال والتفسخ، فما معنى الصدق، وما معنى الاستقامة، وما معنى الكرامة أو الشرف، وما معنى الاستقلال والثوابت الوطنية، وما معنى الحفاظ على الخصوصية والهوية، وما معنى حقوقنا في فلسطين، وما معنى التضامن العربي أو الوحدة العربية؟ وما معنى الدين، وقيم الدين، وتعاليم الدين، وما معنى العائلة، والأخلاق، والالتزام، فكل ذلك بلا معنى، فهنالك فقط قانون المنافسة في السوق، قانون الغاب الذي يكرس مبدأ البقاء "للإصلاح" بمعنى الأقوى، وهنالك قانون المصلحة في أشد أشكالها فظاظة، مجردًا من أية مبادئ، فالكل "يسعى لمصلحته، وكل مصلحة مثل المصلحة الأخرى، الذئب يأكل الغنم وهذه مصلحته، وإذا كانت الغنم لا تستطيع أن تحافظ على مصلحتها فلتذهب إلى جوف الذئب".
إن الثقافة التي تحملها العولمة المؤمركة الآن قد أخذت تمتزج بصهينة، ضمن نسب أعلى بكثير مما كانت عليه الثقافة الإمبريالية قبل بضعة عقود من الزمن، وذلك بسبب تعاظم النفوذ الأمريكي الصهيوني داخل الإدارة الأمريكية والكونجرس الأمريكي، وهو ما سيضاعف أكثر النفوذ الصهيوني في مجالات الإعلام والسينما والثقافة.
ويخطئ من يظن أن ثقافة العولمة ستكون ثقافة تُعلي حقوق الإنسان أو الديمقراطية والمبادئ الليبرالية؛ لأن الاتجاه الذي أخذ يقلق منه أشد القلق كثير من المثقفين في أوروبا والولايات المتحدة نفسها يتمثل بإضعاف قوة البرلمانات لحساب اتفاقات تقرر "عالميًّا"، وتفرض لتصبح القوانين المهيمنة على البلد المعني، وما على برلمان البلد المعني إلا الموافقة عليها كلية، أو رفضها كلية، إن اتفاقات منظمة التجارة العالمية والمنظمة العالمية لحقوق الملكية الفكرية وافقت عليها جلّ البرلمانات دون حق إدخال أي تعديل عليها، وأصبحت ملزمة للمشرِّع المحلي. وهذا النهج أخذ يتوسع ليشمل الكثير من الاتفاقات والمعاهدات التي تتجه العولمة إلى فرضها على شعوب العالم.
إذن، فأسس المبادئ الديمقراطية التي قامت عليها الديمقراطيات الغربية أخذت تهتز أمام زحف العولمة. أما حقوق الإنسان فإن الولايات المتحدة التي تقود العولمة عاملتها دائمًا بازدواجية معايير، وسوف تعاملها بمثل هذا الازدواجية أكثر حين تتعرض العولمة إلى موجات الاحتجاج والمقاومة، خصوصًا مع ما تحمله من إشاعة للبطالة، والفقر، والجريمة، وضرب الصناعات المحلية، والهيمنة على اقتصاديات البلدان الأخرى، فالعولمة ستعطي، بالضرورة دورًا أكبر لأجهزة القمع في الولايات المتحدة نفسها كما في بقية بلدان العالم.
أية ديمقراطية وأي حق من حقوق الإنسان سيبقى إذا ألغيت قوانين العمل والحقوق المكتسبة للعمال، وأعيد النظر بالضرائب والجمارك بما يخدم الشركات متعدية الحدود؟ وأية ديمقراطية وأي حق من حقوق الإنسان سيبقى مع انتهاك سيادة الدول، وامتلاك حق التدخل، وإخضاع اقتصاديات العالم إلى قانون السوق الواحدة؟
وأية ديمقراطية وأي حق من حقوق الإنسان سيبقى إذا أصبحت الشركات متعدية الجنسية تمتلك أجهزة الإعلام على المستويين العالمي والمحلي، وتتحكم في الجامعات ومراكز البحوث، وفي المؤسسات الثقافية، وفي أغلب المنظمات غير الحكومية، وبالسوق عمومًا، ومن ثَم التمكن من شراء ذمم أعداد متزايدة من المثقفين والنخب والتكنوقراط، وذلك حين تصبح هذه الشركات المصدر الرئيسي للتشغيل، والشهرة، وتأمين الرفاهة لجحافل من المثقفين، ولمن سيتساقطون في الطريق، وكانوا في الأمس لا يبيعون أنفسهم ولا يخدعونها، ولا يسوغون ذلك بالاضطرار أمام صعوبة العيش وتأمين مستقبل الأطفال؟ فما معنى الديمقراطية إن لم تكن هنالك معارضة لا تُشترى، أو كانت هنالك معارضة، ولكن محرومة من كل وسائل الإعلام والتعبير؛ بسبب السيطرة الهائلة التي تمارسها الشركات الديناصورية متعدية الجنسية، ومن هنا يروق لكثيرين ممن يوافقون من حيث المبدأ أو من طرف اللسان على نقد العولمة، ولكن يقولون بأنها تشق طريقها لا محالة، ولا مجال لمقاومتها، أو لإيجاد بديل لها غير "التكيف".
ويحمل التكيف هنا معان كثيرة، ويمكن أن يذهب بصاحبه إلى آخر الشوط.
على أن السمة التي هي الأهم بين سمات العولمة، والتي تشكِّل القاعدة التي يقوم عليها البناء الاقتصادي والبناء الثقافي للعولمة، إنما هي المتعلقة بميزان القوى العسكري العالمي وميزان القوى السياسية العالمي.
اسلام اونلاين
هل أعجبك هذا المقال؟
|