ندى سلطاني التي ماتت على رصيف العولمة
المستقبل-تسنى لصورة موت ندى آغا سلطاني ان تتبوأ مركزاً اولاً في وسائل الإعلام الأميركية لمدة وجيزة وحسب. صورة الشابة الإيرانية وهي تفارق الحياة على ناصية الشارع سببت هياجاً كبيراً فياوساط الرأي العام العالمي عموماً، والرأي العام الاميركي خصوصاً. كما لو أن الرأي العام يهيج ويفور دمه بسبب عجزه عن التغيير. الرأي العام يتحرك بقوة الغضب، وهو الغضب الذي لا يقدم او يؤخر شيئاً. هذا على الأقل في ما يتعلق بموت الشابة الإيرانية المشهود. إنه غضب عارم من دون شك، لكنه يشبه غضب السائقين على الطرقات السريعة، سرعان ما يتلاشى ليستعد السائق لموجة الغضب التالية، المغضوب عليهم يبتعدون عن ناظريه واحداً تلو الآخر، ويبقى المرء مع غضبه وحيداً يلازمه كشبح ولا ينجح في ضبطه متجسداً بلحم ودم.ليست المرة الأولى التي يبدو فيها الرأي العام عاجزاً. وليست المرة الأولى التي يبالغ فيها السياسيون في استثمار دماء قصية وغريبة. وليست المرة الأولى التي يجنح فيها الغرب عموماً نحو استعادة ثقافة وقيم شرعة حقوق الإنسان وفي مقدمها حقه في التعبير عن رأيه. لكنها قد تكون المرة الأولى التي لا يعمر فيها دم عبيط لطخ رصيف شارع في طهران اكثر من ايام معدودة متصدراً صفحات الصحف الأولى ومحتلاً افكار المعلقين الصحافيين. إذ سرعان ما حلّت محلها صورة موت ملك البوب مايكل جاكسون. وانتهت أحداث شوارع ايران إلى الصفحات الدولية واهتمامات المختصين. لقد كانت ثورة محبطة بكل المعاني. في السياسة لم يكن مير حسين موسوي يمثل احلام الشباب الإيراني في سعيهم نحو حيازة الحق بعيش معاصر. مير حسين موسوي كان وما يزال واحداً من حراس الثورة التي جعلت من العيش المعاصر جريمة يعاقب عليها القانون. وهو ايضاً لم يكن واحداً من دعاة التغيير الحاسم في اتجاهات الحكم الإيراني، اقله على المستوى الداخلي، الذي يرتبط بحياة هؤلاء الشباب ارتباطاً وثيقاً. لكن الشباب الإيراني تحت حكم محمود أحمدي نجاد، ارتضوا بتغيير طفيف. ارتضوا البذل في سبيل تحسين طبيعة العيش ولو قليلاً. لكنهم في سبيل هذا التغيير الطفيف بذلوا من دمائهم. في السياسة بذل الشباب الإيراني دماًً من أجل تحقيق رغبات ثانوية. وهذا ليس غريباً عليهم، إذ ما زال مثليو الجنس في تلك البلاد يدفعون حياتهم ثمناً لقضاء وقت قليل مع شركائهم، وما زالت عيادات تغيير الجنس تلقى اقبالاً واسعاً من الراغبين في تغيير جنسهم، رغم معرفتهم بأن ما يعقب تغيير الجنس لن يكون حيازة الحرية في تحقيق الرغبات بل تمويتها ببطء شديد، بحيث تتحول الرغبة نفسها تعذيباً للنفس والجسم لا يتوقفان. في الصجافة وحرية التعبير اسفر الحصاد الإيراني عن تخل لا يمكن للشباب الإيراني فهم اسبابه. لقد بذلت ندى سلطاني من دمها وروحها. لكن الإعلام العالمي سرعان ما انشغل عما بذلته بموت مايكل جاكسون. إنها صدفة مقيتة من دون شك. مايكل جاكسون يستحق اهتمام وسائل الإعلام، لكن توقيت موته كان بمثابة رصاصة الرحمة التي اطلقت على آمال الشباب الإيراني. هل يستطيع مشارك في تظاهرات طهران ان يفهم كيف يمكن ان يكون خبر موت مايكل جاكسون اهم من دماء اصدقائه الذين كتبوا على جدران غرفهم في مهاجع جامعة طهران بالإنكليزية: " نعم، نستطيع التغيير"، تيمناً بشعار حملة باراك اوباما الانتخابية في طريقه إلى البيت الأبيض؟ ربما لن يفهم الشاب الإيراني ما الذي جرى حتى غرق دم زميله في النسيان. لكنه على الأرجح لن يستطيع ان يحول الانظار ناحيته مرة ثانية في وقت قريب، ولو كان مستعداً لبذل الدم مرة أخرى. من سوء التصاريف التي يقع الإيرانيون تحت نيرها، مثلهم مثل كثير من الشعوب، أنهم رغم تطلبهم الحاد والحارق للعيش وفق ايقاع المعاصرة، بشرها وخيرها، بحسناتها وسيئاتها، لا يجدون وسيلة افضل من تقديم حيواتهم قرباناً للدخول في هذا الإيقاع. وبموت هؤلاء يصبح ايقاع الحياة المعاصرة مرغوباً، ومحبوباً وخالياً من الشوائب. لا يسأل الشاب الأميركي نفسه وهو يتضامن مع شاب يرتدي سروالاً من الجينز في شارع من شوارع طهران ويطالب بإلغاء نتائج الانتخابات، ثم يخر صريعاً مدمىً على الرصيف، إن كان هذا الشاب على حق في ما يطالب به، وإن كان ايقاع العيش المعاصر يستحق ان نبذل من أجله من دمنا؟ لا يسأل الاميركي نفسه وهو يتضامن مع الإيراني إن كان راضياً عن نمط حياته هو نفسه ام لا؟ وهل تستحق هذه الحياة التي يحياها ان يبذل آخرون في بلدان نائية حياتهم من اجل عيشها؟ انها مفارقة صعبة. ان تموت من اجل التمتع بنمط حياة، وان يبكي موتك من لا يعرف يقيناً إن كان يعيش حياة افضل من حياة الميت قبل موته. ثم، وما دام الحديث عن حق الناس في عيش الحياة كما يرغبون، او كما تفرضها عليهم ظروفهم الخاصة والموضوعية على حد سواء. فكيف يستطيع المرء ان يتفهم انصراف الناس عن غضبهم حيال ما يتعرض له الشباب الإيراني ليتفرغوا للحزن والدهشة امام حدث موت مايكل جاكسون؟ هل كان الغضب غضباً، وهل سيكون الحزن حزناً؟ ام ان الغضب والحزن والدهشة اصبحت مجرد مواد للمحادثات اليومية التي تتساوى في أهميتها من دون تمييز، والتي تتوالى بلا حساب او ترتيب او تصنيف، فيصير فوز اللايكرز في نهائي دوري كرة السلة الاميركي حدثاً قادراً على محو الدم من نشرات اخبار الأمس ومحادثات الناس في ما بينهم؟ في المقام ايضاً كانت ثورة محبطة. الإيرانيون اعلنوا حباً لا يضاهى لأقرانهم في سائر دول العالم. لقد كان الشاب الإيراني يلعب ثلاثة ادوار متزامنة في الوقت نفسه: يحمل هاتفه الخلوي بوصفه مصور لحظة الثورة، ويداس ببساطير الباسيج بوصفه ضحية اللحظة نفسها، ويشاهد عملية دوسه على شبكة الانترنت بوصفه المشاهد المتضامن مع نفسه ايضاً. هذا قد يكون من سوء طالع الإيرانيين، وحسن حظ غيرهم من شعوب العالم. ذلك ان الناس من غير الإيرانيين في زوايا الأرض الأربع كانوا مجرد مشاهدين، يستطيعون التضامن، لكنهم لم يفلحوا في ان يكونوا الموثقين وقطعاً لم يكونوا الضحايا. لكنهم من دون شك، كانوا وما يزالون يتفوقون على اقرانهم الإيرانيين، بقدرتهم على الانصراف عن متابعة المشهد الإيراني إلى مشهد آخر. وحده الإيراني ما كان يستطيع التلفت من واقع انه مشاهد ألمه ومعاناته ودمه النازف، وحيث انه يقع في موقع المشاهد لدمه النازف وثورته المحبطة، فإنه الوحيد الذي لا بد وقد شعر بأن العالم تخلى حتى عن مراقبة موته ولو من باب الفضول. هل كان انتحاراً صامتاً؟ ربما، لكن الإيراني قطعاً لم يكن يريده كذلك. الانتحار يكون صاخباً او انه لا يعود انتحاراً، يصبح سحلاً للجسد والنفس، وظلماً فادحاً لا مراء فيه. لقد اهدى الإيرانيون بعض حيوات خيرة شبانهم من أجل ان يجعلوا حيواتهم المقصوفة ذات قيمة مماثلة للحيوات المعاصرة. لكنهم على الأرجح فشلوا في موازاة اقرانهم في هذا العالم الواسع. اخيراً: ثمة الكثير مما قيل عن ثأر العولمة. العولمة فعلاً ثأرت. إنما علينا ان ندقق في هوية ضحيتها. ليس ثابتاً ان العولمة الثائرة (من الثأر) نفذت ثأرها في تهديد استقرار نظام بالغ القسوة في إيران. الأرجح انها اي العولمة استسهلت الدم الإيراني كثيراً، وربما اكثر مما استسهله افراد الباسيج وقادة الشرطة. إذ لم يكن ثمة اي معنى لثورة معولمة ومصورة على اليوتيوب وتويتر من دون دم. كان الدم هو حجة الصورة وحجة المصور في آن. ولم يكن في وسع المشاهد في انحاء العالم ان يدين نظاماً، كان الشباب الإيراني يريد ادانته بشدة، لو ان دماً لم يهرق في شوارع طهران. الأفلام القصيرة على تويتر واليو تيوب كانت اقل من ان تحمل معنى من دون تصوير عنف الباسيج ورجال الشرطة. وكان على الشبان ان يذهبوا إلى التظاهر ليتسنى للهواتف المحمولة تصوير موتهم الفظيع. هل انحنى النظام؟ ثمة اسباب كثيرة تدعو إلى الشك. لكن الثورة المعولمة كانت تحض على التضحية. كانت تريد ضحايا حقيقيين، حتى يسعهم احتلال انتباه الناس في ارجاء العالم ولو لساعات قليلة. بين فوز اللايكرز والدم المهدور في شوارع طهران ليس ثمة فارق في الأهمية. وأغلب الظن ان الشباب الذين نزلوا إلى الشوارع وتعرضوا لعسف الباسيج ورجال الشرطة لم يفطنوا لسرعة زوال الدم. ذلك انهم لم يحسبوا ان العالم مشغول بنفسه إلى درجة ان موت البعض بالنسبة له (اي العالم) ليس اكثر من سبب للإثارة التي ينتهي مفعولها عند بزوغ شمس اليوم التالي. العولمة ثأرت لنفسها، ذلك انها حولت البطل ضحية، واثبتت ان الاقبال على الموت من اجل الصورة قد يكون حماسياً اكثر من الإقبال على الموت من اجل الأفكار. على اي حال، لقد مضى الزمن الذي كان في وسع الناس فيه اعتبار الموت من اجل الأفكار موتاً مجيداً. المأساة اننا اليوم نستبدل الحماسة للموت من اجل الافكار بالحماسة للموت من اجل الصور. المستقبل هل أعجبك هذا المقال؟
إقرا المزيد من أخبار العولمة:
المزيد عن العولمة
|
تمّت قراءة هذه المقالة 303 مرّة








