طوارئ
ثمه ليل بلون خاص، يخيم غالبا على فضاءات عيادات الطوارئ لا يراه الا من يدلف من بوابات هذه العيادات في المستشفيات وحين يسري هذا الليل ويمر قطاره من محطة منتصفة،تصبح هذه العيادات، عالما آخر يختلف تماما عن ذاك المختبئ خلف جدران عديدة، عالم تبقى فيه ابواب الطوارئ مشرعة لا تمل وتبقى طاقات العاملين فيها قوية لا تكل تستقبل المستغيثين بها ايا كانت حالاتهم واوجاعهم وكيفما كان وصولهم او دخولهم من ابوابها.في فضاء ليل هذه العيادات تفيض أحاسيس حقيقة لا تحتمل التزوير، وفي اجواء الليل تطفو مشاعر عميقة صادقه ليس فيها نفاق او زيف، على الوجوه تترسم ألوان حقيقية من انفعالات عميقة جدا يقرؤها حتى الامي ويحس بها كل من عاش في هذا الفضاء، هناك في عيادات الطوارئ الام حقيقية اكيدة والى جانبها تقف آلام ومشاعر مواساة حقيقية واكيدة ايضا، كل منها تحكي قصة، قصة يحكيها ناس طوارئ هؤلاء الذين تتنوع عندهم الآلام : هذه شابه مريضه تدلف من باب الطوارئ تتكيء على قريبتها اضناها احساس بألم حقيقي تقاتل كل لحظة زمن وصولا الى يد الطبيب متشبثة بحياة، تصورت انها شارفت على نهايتها، وان ما تعيشه من ألم ممض، انما هو مقدمة لهذه النهاية التي ترفضها وهي تستحث الطبيب المنقذ ان يتدارك الامر فيأتي بالترياق الذي يخلصها من الالم فينقذ حياتها من قرار النهاية حتى انها تأبى ان يغادرها الطبيب ليرى غيرها فقد اصبحت هي مركز الكون وعلى هذا الكون ان ينقذها. وذك طفل يبكى على صدر ام، تتبع ابا، كلاهما ملهوفان منفعلان مرتبكان لا يدريان ماذا يفعلان، امام طفل يتألم يعبر عن آلامه بصراخ يدمي قلب الام ويشتت وعي الاب، حتى اذا ما ملأ بكاؤه الفضاء، استقطب مواساة الكثيرين من حوله يطلبون الرفق بهذا الطفل الذي يحكي بكاؤه حجم وشدة ألمه الذي يكابده، هو عاجز لغياب النطق عن التعبير عن هذا الالم فاعلن عنه بالبكاء الذي قيد يدي الطبيب وهو يحاول ان يفهم قصة ألمه من أمه التي اضاعت هي الاخرى القدرة على بيان الحال في غمرة الم الانفعال. وتندفع عائله لعلها كاملة، تجري وراء شيخ محمول على لهفة الابناء وربما الاحفاد فقد الم به عارض افقده الوعي وحمله الى حافة النهاية في مقدمة رحيل ظن من حملوه انه آن وقته فالاجابة عن ماذا حدث يطرحها الطبيب، تاتي عبر السن الجميع كل يعبر عن لهفته ويحكي قصته عبر الوان انفعالات تحاول ان تقول للطبيب ارجوك اقطع على النهاية طريقها اعد الينا الاب او الجد. وحين تتحدث النساء يأتي صوت البكاء دوما غالبا حتى اذا ما ارتبك الطبيب عبس وامر الجميع بالخروج الا من رأى فيه سيطرة على النفس ليحكي قصة الشيخ المسجى ينتظر ان يعيد اليه الطبيب وعيه وينفذه من قرار الرحيل. هكذا تتوالى العديد من الحالات هي ليست بعيدة عن هذا المسار الا اذا فجأة خرج كل هذا عن السياق وفتحت الابواب على اتساعها لتعبر منها اصابات حادث عندها يعاد ترتيب الاولويات فالأهم الان انقاذ حيوات لا تحتمل ثواني التأخير فالفارق هنا بين حياة وعدمها قد يكون ثوان ثمينه يحتاجها هؤلاء المصابون، هكذا تتجه الجهود والمشاعر والاحاسيس باتجاه القادمين الجدد وتنصرف بعض المواساة الى من ساءت حالته من مصابي الحادث، تلك هي غرائب انسانية عيادات الطوارئ التي يتآخى عندها الاغراب ويصبح التعارف لا يتعدى كلمة سلامته... او سلامتها... او سلامتك ينسى البعض الامهم حين يعيشون الام الآخرين، تلك هي احدى تجليات الانسانية واجمل مظاهرها. هكذا تمر ساعات الهزيع الاخير من ليل عيادات الطوارئ فيها تحسم احوال زوار هذه العيادات، هناك من يخرج من حيث اتى بعد ان من الله عليه بالفرج يغادر على غير ما دخل ومعه يغادر اولئك الذي واسوه في آلامه التي ذهبت... وهناك من تحمله ملائكة الرحمة باتجاه الداخل إلى فضاء المستشفى، فالطوارئ لم تقدر على المه وغلبها مرضه وصار لزاما ان يبقى ضيف المستشفى الى ان تعود اليه العافية التي رحلت ربما مؤقتا. قيل : ان الصحة تاج على رؤوس الاصحاء يفتقده المرضى. وقيل : ان العافية كنز ثمين من امتلكها فهو الغني. والحقيقة غير هذا وذك، العافيه اكبر من كنوز الدنيا. أرأيتم ان اختطف العافية مرض وابى ان يعتقها هل تستعيدها كنوز الدنيا اعجب لمن من الله عليهم بالعافية ويتشاءمون... ! suha.hafez@yahoo.com suhahafeztoukan.maktoobblog.com هل أعجبك هذا المقال؟ |
تمّت قراءة هذه المقالة 580 مرّة
قيـّم المقال:
Get the Flash Player to see this player.
التعليقات
نعم انا مليونير ولايوجد في جيبي دينار واحد لانني في صحه تامه ولله الحمد والشكر والف شكر للاستاذه سهى لهذا الشعور الطيب جزاكي الله كل خير
فعلا لا يعرف الانسان نعمه الا هو في الا لما يفقد صحته واخر جملة بالمقال رائعه
احسنت كاتبتنا المبدعة دائما على هذا المقال الاكثر من رائع
شكرا لاستاذتنا الفاضله
الصحه تاج على رؤوس الاصحاء لايشعر بها إلا المرضى
وأن الصحه أثمن من المال
ولو خيرو الانسان بين الصحه والمال قطعا سوف يختار الصحه
إذا كل صحيح فهو غنى
شكرا لاستاذتنا المبدعه على نفحاتها الايمانيه
الصحه تاج على رؤوس الاصحاء لايشعر بها إلا المرضى
وأن الصحه أثمن من المال
ولو خيرو الانسان بين الصحه والمال قطعا سوف يختار الصحه
إذا كل صحيح فهو غنى
شكرا لاستاذتنا المبدعه على نفحاتها الايمانيه
مقال جميل ويلفت النظر ان الانسان بنعمه لايشعر بقيمتها الا اذا خسرها فعلا شكرا للكتابه لطرحها دائما موضوعات ذات قيمه هامه
مقالات سياسية ومنوعة
لماذا تستمر "جماعات" الإخوان؟!
أهم ما يدل عليه موقف "الإخوان المسلمين" من اليمن، وتمرد الحوثيين هناك.. المزيد
صباح الخير يا جاري!
من ناحيتي، أعترف بتقصيري حيال جيراني من حيث تبادل الواجبات الاجتماعية التي أصبحت.. المزيد
الحوار أولا!
تغييب قناة عن القمر الصناعي ، أو اغلاق صحيفة او موقع إخباري ، او قرصنته ، إجراء لا.. المزيد
اعــلان
ملف خاص انفلونزا الخنازير
الاخبار الاكثر شعبية








