أضف هذا الموضوع على مواقع أخرى
|
بقلم : ظبية خميس
2009/10/5 الساعة 10:33 بتوقيت مكّة المكرّمة
" رأى المأمون في منامه كأن رجلاً أبيض اللون … جالس على سريره. قال المأمون : وكأني بين يديه قد ملئت له هيبة.
فقلت : من أنت ؟
قال : أنا أرسطوطاليس.
فسررت به ، وقلت : أيها الحكيم ، أسألك.
قال : سل.
قلت : ما الحسن ؟
قال : ما حسن في العقل.
قلت : ثم ماذا ؟
قال : ما حسن في الشرع.
قلت : ثم ماذا ؟
قال : ما حسن عند الجمهور.
قلت . ثم ماذا ؟
قال : ثم لا ثم.
…. فكان هذا المنام من أوكد الأسباب في إخراج الكتب ".
إبن النديم
هذا هو الماضي الثري ببهائه ، تقرأ في تاريخ الكتب العربية ، والحضارة الإسلامية فتكتشف كل ذلك الكم العذب من تجارب صكت على الورق لتنقل إلينا رحلة رائعة قاموا بها في الماضي ليبهرونا بعجزنا في الحاضر.
تتساءل عن أمهات الكتب ، فتكتشف أن المخطوطات موزعة ما بين مكتبات فيينا ، وأسطنبول ، ولندن ، وباريس ، وميلانو ، وربما ، أيضاً ، كريت ومالطة … ولا تجد لنا شيئاً من إرثنا الذي لم نحسن إكتشافه بعد.
تحاول أن تنظر في المكتبة العصرية ، العربية ، باحثاً عن نسخ من تلك الكتب فلا تجد إلا فيما ندر ، قد تجد كتباً عنها ، أو نسخاً رخيصة الطباعة ، سيئة الخط ، وغير منقحة في إنتظارك ، فتنظر إليها في عجز ، وذهول.
أما ما قد نقح وصحح ، وتمت كتابة المقالات ، والتحليلات ، والدراسات عنه فإنه يأخذ الشكل الأكاديمي المحض ، وأطروحات " الدكتوراه " الموجودة في جامعات الغرب ، أيضاً.
أما المسلسلات التليفزيونية ، الدرامية ، والتي تناولت أشخاص من أولئك الكتاب ، والمفكرين ، والفلاسفة ، فلا تطرحهم إلا كأشكال فلكورية ، ومقعرة ، ذات أشكال جامدة وغير إنسانية ، وبلغة عربية فصحى معلبة ، لا مجال فيها إلى أنسنة أولئك المعنيين بالعمل التليفزيوني ، التاريخي.
أخيراً وقع بين يدي كتاب حول أولئك ، أصدقاءنا ، وآباءنا الذين لم نعرفهم جيداً ، شعرت مع آخر كلمة في الكتاب أن هؤلاء المذكورين أصدقائي ، وصوتي ، ومدينتي ، والمستقبل الذي لم ينطفأ فيه الضوء.
نعم شخوص وأسماء نعرف عنها ، ولا نعرفها ، فلاسفة كبار ، شموليين النظرة ، جمعوا ما بين فراسة الروح ، ودقة العلم ، جمعوا ما بين التواصل مع ثقافات الغير ، وإبداع ثقافة جديدة أسعفت مجتمعات جديدة وأضاءت لها الدرب نحو الحاضر.
نماذج لمفكرين ، أسعدهم الدين ، كما أسعدتهم اللغة ، واغترفوا من بحر الحياة ، أحبوا الموسيقى ، والمرأة ، والشعر ، تعرفوا على عالم الأرواح وتفاصيل الطب ، ونظام الأفلاك. جالسوا الملوك ، وأصابهم حظ السلطة ، والمطاردة ، وساقتهم الأقدار إلى الحروب ، والكوارث .. وضاع من إنتاجهم الكثير ، إلا أنهم لم يتوقفوا أبداً أمام جهالة الآخرين وإستمروا في إبداعهم أعماراً كاملة ، وفي سلسلة متصلة لم تصل إلينا ، أبداً ، للأسف الشديد.
الكسندرا غناتنكو باحث روسي نشر أخيراً ، باللغة العربية كتابه الثري بالتحليل " بحثاً عن السعادة ".
أغناتنكو .. من مواليد عام 1947 ، تخرج عام 1970 من قسم اللغة العربية بمعهد اللغات الشرقية في موسكو ، وأنهى عام 1975 دراسة الدكتوراه بكلية الفلسفة في جامعة موسكو. له عدة أبحاث في الفكر الإسلامي ، تاريخه وحاضره ، منها كتب " إبن خلدون " (1980 ، صدرت الترجمة العربية بالقاهرة عام 1986) و "خليقة بلا أخلافة " (1988) و "الإسلام على مشارف القرن الواحد والعشرين " (1989) ، بالإشتراك مع مؤلفين آخرين ، يعمل في الوقت الحاضر أستاذاً بقسم الفلسفة والإشتراكية العلمية في معهد العلوم الإجتماعية بموسكو.
يقول الكاتب عن ماضي ثقافتنا ما يلي :
" ولم تكن أبواب الثقافة العربية – الإسلامية مفتوحة بإتجاه الغرب فقط. فقد كانت أشبه بالمدينة الأسطورية الشهيرة ، " مدينة الألف باب ". فقد تأثرت هذه الثقافة ، فضلاً عن الفكر اليوناني ، بالمؤثرات الفارسية والهندية والسريانية والعبرية. ثم أن إزدهار الثقافة العربية – الإسلامية نفسه يعود ، في جانب كبير منه ، إلى نزعتها المنفتحة هذه ، إلى استعدادها للتقبل والتقاسم … ".
والكاتب الروسي الكسندر راغناتنكو يحاول أن يرصد وبمحبة كبيرة ، حركة الفلسفة الإسلامية – العربية وعلاقتها بما جاورها من حضارات ، وخصوصاً الحضارة الإغريقية مشيراً إلى الترجمات الأولى لأعمال أفلاطون ، وأرسطو وغيرهم ، ومنتهياً إلى تأثير الأعمال الفلسفية العربية على فكر النهضة الأوروبية. والكتاب يترك سؤال محير في ذهن القارئ العربي متى ، ولماذا توقفت حيوية وإبداع الفلسفة العربية ، ولماذا لم يبقى منها في أذهاننا إلا تعاويذ السحر ، وأفكار العقاب والجحيم والثواب وحجاب المرأة ، لماذا لم ننجح في التواصل معها ، وكيف إنتهينا إلى فريقين : فريق يردد المكرور من الأقوال الدينية ، وفريق آخر إنشغل بأفكار الفلسفة الوجودية ، والعدمية متناسين جميعاً البحث عن السعادة ، هنا في الأرض سعادة الروح التي إنشغل بها الماضي كثيراً ، ولم يعد يعبأ بها الحاضر.
لقد حاول الكاتب أن يرصد بدايات الترجمة للفلسفة الإغريقية ، والفارسية ، وغيرها في العالم العربي ، ومدى اهتمام الملوك ، والحكام بذلك وتخصيصهم الأموال والمنح من أجل إقامة مراكز لذلك في كل العواصم العربية الكبرى آئنذاك. ثم أنه ينتقل في أقسام تفصيلية مختلفة في الكتاب ليتناول أعمالاً مختلفة لبعض فلاسفة العالم العربي – الإسلامي.
ولقد جمع بينهم البحث عن المدينة الفاضلة ، المدينة – الحلم ربما متأثرين بكتاب أفلاطون ، لكنهم حاولوا ، جميعاً ، أن يتموا سلسلة البحث المضني مكملين أدوار بعضهم البعض عبر التاريخ ، حتى صاروا كأنهم سلسلة واحدة من النسب.
إن الفارابي يبدأ تلك السلسلة في البحث عن المدينة الفاضلة فيقول. " فكما أن القلب يتكون أولاً ، ثم يكون هو السبب في أن يكون سائر أعضاء البدن ، والسبب في أن تحصل لها قواها وأن تترتب مراتبها ، فإذا إختل منها عضو كان هو المرفد بما يزيل عنه ذلك الإختلال، كذلك رئيس هذه المدينة ينبغي أن يكون هو أولاً ، ثم يكون هو السبب في أن تحصل المدينة وأجزاؤها ، والسبب في أن تحصل الملكات الإرادية التي لأجزائها في أن تترتب مراتبها".
" ورئيس المدينة الفاضلة ليس يمكن أن يكون أي إنسان إتفق. فيجب أن تجتمع فيه بالطبع إثنتا عشر خصلة يكون قد فطر عليها : أن يكون تام الأعضاء ، جيد الفهم ، جيد الحفظ ، جيد الفطنة ، حسن العبارة ، محباً للتعليم والإستفادة ، غير شره على الملذات الحسية، محباً للصدق ومبغضاً للكذب ، كريم النفس ، مزدرياً للمال والغنى ، محباً للعدل ومبغضاً للجور ، قوي العزيمة ".
أما إخوان الصفاء فيقول عنهم التوحيدي في كتاب "الإمتاع والمؤانسة" :
" وكانت هذه العصابة قد تألفت بالعشرة وتصافت بالصداقة وإجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة. فوضعوا بينهم مذهباً ، زعموا أنهم قربوا به الطريق إلى الفوز برضوان الله. وذلك أنهم قالوا أن الشريعة قد دنست بالجهالات ، وإختلطت بالضلالات ، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة ، لأنها حاوية للحكمة الإعتقادية والمصلحة الإجتهادية. وزعموا أنه متى إنتظمت الفلسفة الإجتهادية اليونانية والشريعة العربية فقد حصل الكمال ".
وأما عن سيرة حياة إبن سينا فيرجع المؤلف إلى تلميذه أبو عبيد الجوزجاني ويقول عنه: " ثم سألته أن يشرح كتب أرسطوطاليس ، فذكر أنه لا فراغ له إلى ذلك ، في ذلك الوقت، ولكن إن رضيت مني بتصنيف كتاب ، أورد فيه ما صح عندي من هذه العلوم ، بلا مناظرة مع المخالفين ، والإشتغال بالرد عليهم ، فعلت ذلك. فرضيت به. فإبتدأ بالطبيعيات من كتاب سماه كتاب الشفاء ، وكان يجتمع كل ليلة في داره طلبة العلم وكنت أقرأ من الشفاء نوبة، وكان يقرن غيره من كتاب "القانون" نوبة. فإذا فرغنا ، حضر المغنون على إختلاف طبقاتهم ، وهيئ مجلس الشراب بآلاته ، وكنا نشتغل به ، وكان التدريس بالليل ، لعدم الفراغ بالنهار ، خدمة للأمير ".
أما إبن رشد فقد كان هو الفيلسوف العربي الأول والوحيد ، الذي أولى عناية خاصة لمشكلة سعادة المرأة من زاوية التنظيم الأمثل للحياة الإجتماعية. وكان فيلسوفنا جريئاً في طرحه لمسالة المساواة بين الرجال والنساء ، حيث أكد أن الرجل والمرأة ينتميان إلى نوع واحد من الكائنات ، إلى الكائنات العاقلة ، وإن كان ثمة فوارق بينهما.
ولذا فإن الغرض من وجودهما واحد. وإذا كان لا شك في تفوق الرجال في بعض ميادين النشاط الإجتماعي ، فإن النساء يفقن الرجال في ميادين أخرى كما في صناعة الموسيقى. ويورد إبن رشد شهادات على مشاركة الرجال والنساء معاً في الأمور المدنية والحربية ، كما هو الحال لدى البدو من سكان الصحراء الكبرى ، الذين كانت معلومات فيلسوف قرطبة عنهم أكثر دقة منها عن " مدينة النساء " الأسطورية التي يذكرها الإدريسي ، الجغرافي العربي المشهور. ثم أن الحيوانات ، وبدون إختلاف في الجنس ، تعمل معاً لتحصيل القوت ولرد الأعداء.
هذه هي بعض من نماذج كثيرة من الفلاسفة المسلمين يناقشهم ويتحدث عنهم الباحث الروسي.
ولأن الجدران صلبة وسوداء أمام العقل العربي اليوم ، فلربما كان من المفيد أن نبحث عن بعض النوافذ التي تدخل منها شمس العقل سواء من الماضي الرائع ، أو من حاضر الثقافات الأخرى التي ما زالت تتفاعل مع هاجس البحث عن سعادة الإنسان.
مرجع :
(الكسندر أغناتنكو ، بحثاً عن السعادة ، موسكو ، دار التقدم ، 1990).
هل أعجبك هذا المقال؟
اقرأ المزيد من مقالات الكاتب ظبية خميس :
|