هكذا يكذبون ويلبسون الأقنعة...
هل لكل منا عدة أوجه ؟ هذا ما تشير إليه رؤية إغريقية تؤكد أن التكوين النفسي والمعنوي للإنسان يجعله يرتدي أقنعة طول الوقت أو بعضه, أي أنه يقدم نفسه للآخربشكل زائف وغير حقيقي ، وبمقتضاها فإن الشخص الواحد يتبادل الأدوار- الأقنعة بما يحدث صراعا داخليا بينه وبين نفسه وبينه وبين الآخرين!أما "أنا لا أكذب ولكنني أتجمل" فهي مقولة مشهورة في مجتمعاتنا ، فنجد البعض يقول من الأقوال ويفعل من الأفعال تحت هذا المسمى ، فهل نحن لا نستطيع أن نتعايش إلا بأقنعة كثيفة من الأكاذيب والمجاملات والنفاق تغطي مشاعرنا الحقيقية تجاه هذا أو ذاك من الناس؟ وما قيمة هكذا حياة نقضيها في خداع بعضنا؟ الكثير من الأشخاص يرون بأن التمثيل ولعب الأدوار شيء ضروري في حياة كل منهم، ولا بد أن يتعرض الإنسان لمواقف تجعله يقدّم نفسه بوجه آخر حتى يحظى بما يريد، وهم بذلك يطبقون العبارة الدارجة ( ما الحياة إلا مسرح كبير) وعلى امتداد الزمن .. يرتدي الشر أقنعة بهيجة تجعله حسنا في عيون الناظرين ..وتجعلهم يدمنون تصديق كل ما هو زائف ويرفضون الوجوه الحقيقية التي تتعرى أمامهم بلا أقنعة. يقال بأن أغلب وجوهنا ليست سوى قناع لعدة وجوه، فوجه بصورة أرنب، ووجه على صورة ثعلب، ومع ذلك لا يستطيع أحدنا أن ينكر وجهه أمام المرايا علماء النفس يقولون إنه من النادر أن تجد طفلاً قبيحاً, ذلك أن البراءة التي تكسو وجه الطفل تضفي عليه جمالاً مهما كان قبيح الصورة، ومتى بدأت العوامل النفسية تغلي في قدر الذات الإنسانية تبدأ الانفعالات في رسم صورة الوجه الحقيقي, فإن كانت إيجابية كالتسامح والمحبة والطيبة ، تجمّل الوجه مهما كان قبيحاً, وإن جاءت سلبية كالغيرة والحسد والطمع والكذب تقبح عندئذ الوجه مهما كان جميلاً. كانت ثمة لوحة فنية للفنان "دوريان غري" وهي لوحة شهيرة فتح صاحبها الباب عليها ذات يوم بعد حياة طويلة عاشها متخفياً بالآثام والموبقات, فعكست اللوحة هذه الحياة القبيحة وشوهت الوجه الجميل, فما كان منه إلا أن هجم على الصورة ومزقها ظنا منه أن بذلك سيمزق قباحة أفعاله نعم، تتغير الوجوه والأقنعة وتظل الحقيقة واحدة بأن الأقنعة لا بد لها أن تسقط يوما, وأن على الإنسان أن يصدق دائما مع نفسه والآخرين ولا يوهم نفسه بـ (أنا لا أكذب لكني أتجمّل) لأن الجمال لا يرافقه الكذب أبداً.وأن عيوبنا وسلبياتنا ونقائصنا التي بنينا عليها حياة الأكاذيب التي نعيش عليها ونموت فيها ، ستجعلنا ندفع ثمنا فادحا لا يعوض بكل كنوز الأرض ..ألا وهو احترامنا لانفسنا! **** أما في السياسة التي تسمى "فن الكذب" فثمة من يدعو لمعاقبة السياسيين الكذابين الذين يضللون شعوبهم، كما أن العديد من الكتب والكتابات صدرت في اوروبا وامريكا فيها الرغبة في فضح الأكاذيب مثل كتاب أسلحة الخداع الشامل.. وكيف فضح جوزيف ولسون الرئيس بوش بادعائه أن العراق حصل على يورانيوم من النيجر، كما أن البعض يصف بوش وبلير بالبراعة السياسية - بمعنى التضليل والخداع -فأضرار الكذب على الناس لا تقاس بأضرار الخداع أو المخادعة التي من شأنها أن تدمّر بلداً ، أو تؤدّي بشعب أحياناً إلى الهلاك . أنلوم بعض السياسيين وصناع القرار الفلسطيني الذين استمرؤوا الكذب والتضليل وتحولت ولائم الكذب لديهم إلى وجبات يومية و مادة رئيسية لتبرير فشلهم؟ أم ننظر لهم من زاوية أخرى وهي أن تبديلهم لأقنعتهم على شاشات الفضائيات، تأتي من باب إسعادنا وإسماعنا ما نطرب له، وحتى عندما نكتشف فعلتهم النكراء, فإننا نجد في قلوبنا كمية من التسامح لنغفر لهم حتى بعد تقرير غولدستون. يا جماعة ، والله حبل الكذب قصير، "احترموا حالكم خلينا نحترمكم وبكفي تلعبوا بعقولنا وتستخفوا فينا!!" هل أعجبك هذا المقال؟
اقرأ المزيد من مقالات الكاتب خالد محمود:
|
تمّت قراءة هذه المقالة 223 مرّة
قيـّم المقال:
Get the Flash Player to see this player.
مقالات سياسية ومنوعة
لماذا تستمر "جماعات" الإخوان؟!
أهم ما يدل عليه موقف "الإخوان المسلمين" من اليمن، وتمرد الحوثيين هناك.. المزيد
صباح الخير يا جاري!
من ناحيتي، أعترف بتقصيري حيال جيراني من حيث تبادل الواجبات الاجتماعية التي أصبحت.. المزيد
الحوار أولا!
تغييب قناة عن القمر الصناعي ، أو اغلاق صحيفة او موقع إخباري ، او قرصنته ، إجراء لا.. المزيد
اعــلان
ملف خاص انفلونزا الخنازير
الاخبار الاكثر شعبية








