لا نساء في مدينة حواء
يلاحظ أنّ ما يكون مرفوضا في قضية المرأة في حقبة زمنية قد لا يعود كذلك بعد أعوام قليلة، ثم إنّ ما يكون مسموحًا به ربما لا يعود كذلك. وذلك كلهفي إطارٍ من الدين والخطاب الأخلاقي.ولعلي أقترح على طلبة الدراسات العليا في علم الاجتماع والإعلام ودراسات المرأة مشروعا يصلح لأطروحة جامعية، وهو كيف يتناول الإعلام، ولنقل مثلا الدراما، عمل المرأة؟ في السبعينيات، وحتى الثمانينيات، كانت المسلسلات التلفزيونية العربية تتحدث: هل يحق للمرأة العمل خارج المنزل؟ وكانت الأطروحة المتكررة أنّ هذا حقها، وأنها يمكن أن توفق بين متطلبات منزلها وعملها وتحقيق نفسها ومساعدة عائلتها. أي كان مطلوبا منها العمل مرتين، مرة في المنزل وأخرى خارجه وأن ترضي زوجها، وهذا قمة حقوقها. ثم اختلف الأمر لاحقا، فأصبح الرجل لا يُقْدِم على الزواج من امرأة غير عاملة؛ لأنّ متطلبات الحياة والمعيشة تحتاج لعمل الاثنين، أي أن ما كان حقا تطالب به المرأة أصبح واجبا مفروضا عليها. في السعودية الآن جدل بشأن موضوع الاختلاط في التعليم العالي، وهذا الجدل يعني أن مسألة تعليم المرأة التي خرجت مظاهراتٌ ضدها في السعودية في عقود سابقة أصبحت أمرا مفروغا منه. وفي المقابل في الكويت فُرض منع الاختلاط، وفي مصر هناك جدل حول حق الطالبة الجامعية في النقاب، مع الحفاظ في الوقت ذاته على حقها في التعليم والعمل، حتى في تلك المهن التي تعتمد على الثقة الشخصية، بأن تعرف هوية من تتعامل أو يتعامل معك، كما في الطب والصيدلة والبنوك (الإسلامية) وغيرها. تبدو قضية المرأة، كما لو كانت شارعا ذا اتجاهين، ما أن تبدأ باتجاه حتى تتعمّق فيه، ثم تحتاج إلى تحويل الاتجاه كليّا لتغيير مسار الأحداث؛ فمثلا يبدو غريبا في مصر الإصرار على النقاب – ولا نناقش هنا حكمه الشرعي أو كونه هو وعدم الحجاب حرية شخصية أم لا – بل، من زاوية أنّ من المنطقي أنّ من تطالب بحق النقاب باعتباره واجبا أو فرضا شرعيا، ستلتزم بفكرة أخرى سلفية، أن ترفض عمل المرأة وترفض خروجها من المنزل، على اعتبار أنّ "جلوس المؤمنة في بـيتها لا يقل عند الله عن الجلوس بـين جدران البـيت الحرام". والواقع أنّه إذا ما انتصر الفكر السلفي بشأن نقاب المرأة، فإنّ الخطوة المقبلة هي قضايا الاختلاط وعمل المرأة والخروج من المنزل وقيادة السيارات؛ وليس أدل على ذلك من الأنباء القادمة من مدينة حواء في الصومال، حيث منعت حركةُ الشباب المجاهدين النساءَ من العمل لأنهن برأيها "أحوج" للبقاء في بيوتهن للعناية بالأطفال. وكانت الحركة فرضت مؤخرا عقوبة الجلد على من لا ترتدي الحجاب. قمع المرأة والافتئات على حقوقها أمر لا يتعلق باتباع دينٍ دون آخر، والوجه الآخر لقمعها باسم الأخلاق والدين، هو قمعها بواسطة تسليع الجسد وتحويله إلى تجارة كما يحدث في الرأسمالية باسم (السلفية الليبرالية) والتجارة غير المنضبطة. في الكويت باتت مشاركة المرأة في الانتخابات مقبولة ويستخدمها الإسلاميون في حشد الأصوات، وقبل أعوام عدة كانوا يعدّونها محرمة شرعا. وليس غريبا أن نرى مرشحات إسلاميات قريبا في الكويت، في حين تخلو قوائم مرشحي البرلمان المصري من النساء تقريبا. إن قضية المرأة لا تختلف عن قضية التمييز على خلفية العرق والقومية والطائفة والقبيلة والعشيرة، من حيث إنها استغلال لخيالاتٍ عن حقوقٍ وواجبات تتحقق بموجب البيولوجيا، ومن حيث إنّ العقل الجمعي يحكمها، فإذا ما برز تيار ما بشأنها سار الآخرون خلفه دون هدى. هل أعجبك هذا المقال؟
اقرأ المزيد من مقالات الكاتب د. أحمد جميل عزم:
|
تمّت قراءة هذه المقالة 202 مرّة
قيـّم المقال:
Get the Flash Player to see this player.
التعليقات
المقال جميل يا دكتور ولكن عندى اضافة او زيادة معلومة لك عندى فى السودان ان المرأة تفرض عليها ظروف كثيرة ان تعمل ولكن بدا فى الآونة الأخيرة انها فقدت احترامها من خلال المعاملة والممارسات التى تحاك تجاهها وايضاهناك قوانين كثيرة مقيدة لعملها خاصة بائعات الشاى والذين يعملون فى مجال التجارة يجدون معاملة قاسية من السلطات الحكومية .
مقالات سياسية ومنوعة
تثقيف الأم أولا!
قد يعترض البعض على العنوان من حيث تثقيف الأم أولا لأن الحاجة تستدعي تثقيف الأبوين.. المزيد
اعــلان
ملف خاص انفلونزا الخنازير
الاخبار الاكثر شعبية










