عولمة الجهل !
لا خلاف في أن الفكرة السائدة عنا نحن العرب تنحصر في كوننا شعوب متخلفة لا حظ لها من الثقافة و الإطلاع إلا النزر اليسير خصوصا و أن مجتمعاتنا ما زالت(و لا فخر) تسجل أعلى نسب الأمية و التبعية مع أن أكثر (البلاوي) التي نحياها، مردها واقع اختلال النظم و غياب سياسات راشدة في وسعها تحريك الجمود و تغيير هذا الواقع الرديء.مع ذلك فنحن لسنا حالة نادرة إذ يبدو أن المجتمعات الغربية على تقدمها، أيضا تعيش هي الأخرى تناقضات معرفية تبلغ حد الطرافة أحيانا إذا ما قورنت بثورة التكنولوجيات و البحث هناك و سيادة القوانين التي تضمن حقوق الناس و حرياتهم بشكل كبير و إن كانت لا تخلو من بعض التجاوزات و الأخطاء هنا و هناك إلا أنها و للأمانة، أفضل المعروض حاليا بلا جدال. و لكن في مقابل هذا الزخم العلمي و الحضاري، هنالك أحيانا أعراض توحي بالريبة و تبعث التوجس في الناس و هذا بالضبط ما أصابني و أنا أقرأ خبرا غريبا يتعلق بنتائج استطلاع للرأي نظمته إحدى المؤسسات المتخصصة في هذا المجال لحساب القناة التلفزيونية البريطانية "يو كي تي في غولد". موضوع الاستطلاع تمحور أساسا حول المعلومات البسيطة و الثقافة العامة وسط البريطانيين و على الرغم من أن الأسئلة كانت في متناول تلامذة المدارس الابتدائية إلا أن النتيجة جاءت بشكل يؤدي تلقائيا إلى أن يفتح الواحد منا ثغره و عيناه مطولا دونما تعليق محتارا بين أن يضحك أو يمتعض. فعن سؤال حول شخصية بطل القصص البوليسية الشهير "شيرلوك هولمز" التي ابتدعها الروائي الاسكتلندي "آرثر كونان دويل"، قال ما نسبته 58 بالمائة من المستطلعين أنهم يعتقدون أن شخصية هذا المحقق الخارق، حقيقية و أنه كان موجودا فعلا على عكس السياسي البريطاني الكبير وينستون تشرشل الذي تقلد رئاسة وزراء إنجلترا لفترتين كاملتين (1940 إلى 1945 و 1951 إلى 1955) الذي صرح 23 بالمائة من مجموع الذين أخذت آراؤهم، ما يفيد اعتقادهم بكون هذا الاسم شخصية خيالية غير حقيقية ثم إن الأدهى من ذلك هي تلك النتيجة التي جاءت عن سؤال حول شخصية الملك ريتشارد الأول الذي عرف تاريخيا باسم "ريتشارد قلب الأسد" الذي تقلد التاج البريطاني بين عامي 1189 و 1199 و الذي يعرفه الشرق و الغرب، حيث أجاب 47 بالمائة أنهم يرون فيه شخصية وهمية لم توجد يوما على الواقع رغم أنه ما يزال حتى اليوم يعتبر بطلا تاريخيا خالدا في ذاكرة البريطانيين!! معنى هذه النتائج أن الجهل لم يعد حكرا على المجتمعات المتخلفة اقتصاديا و سياسيا فحسب بل إنه صار واقعا يوشك أن ينسحب عبر العالم برغم ثورة الاتصالات التي تكاد تلغي الحدود و المسافات إذ أن هذه الأرقام ليست صغيرة إلى حد يمكن فيه إهمالها و اعتبارها غير ذات أثر بالمعنى الاجتماعي لها خاصة و أنها تأتي لتعزز نتائج استطلاعات أخرى تبين أن كثيرين من الأميركيين مثلا يعتقدون أن كوبا و العراق هما دولتان متجاورتان في حين أن المجتمع الماليزي الذي بات يعتبر "نموذجا إسلاميا معاصرا"، فإن استطلاعا للرأي هناك أظهر أن 40 بالمائة يعتقدون باستحالة أن تصاب النساء الجميلات بالإيدز !! هي مجرد عينات قليلة و لا أشك لحظة أن استطلاعات من هذا الشكل لو أجريت في عالمنا العربي، فإن نتائجها ستكون كفيلة بطمس آمال أكثرنا تفاؤلا فلماذا لا تجرب المؤسسات عندنا شيئا من هذا القبيل حتى نقف على من مدى اتساع الهوة التي تفصل بين واقعنا و ما نزمجر به من عنتريات؟ هل أعجبك هذا المقال؟
اقرأ المزيد من مقالات الكاتب عبد الحق بوقلقول:
|
تمّت قراءة هذه المقالة 524 مرّة
قيـّم المقال:
Get the Flash Player to see this player.
التعليقات
لم أسمع يوما أن العولمة يمكن أن تتصل بالجهل ولكن والحال كما أردت أني لا يسعنىي أن أطلب منك وبكل لطف أن لا تفاجئنا يوما بمقال عنوانه حداثة الجهل
لم أسمع يوما أن العولمة يمكن أن تتصل بالجهل ولكن والحال كما أردت أني لا يسعنىي أن أطلب منك وبكل لطف أن لا تفاجئنا يوما بمقال عنوانه حداثة الجهل
مقالات سياسية ومنوعة
لماذا تستمر "جماعات" الإخوان؟!
أهم ما يدل عليه موقف "الإخوان المسلمين" من اليمن، وتمرد الحوثيين هناك.. المزيد
صباح الخير يا جاري!
من ناحيتي، أعترف بتقصيري حيال جيراني من حيث تبادل الواجبات الاجتماعية التي أصبحت.. المزيد
الحوار أولا!
تغييب قناة عن القمر الصناعي ، أو اغلاق صحيفة او موقع إخباري ، او قرصنته ، إجراء لا.. المزيد
اعــلان
ملف خاص انفلونزا الخنازير
الاخبار الاكثر شعبية









العولمة في رايي بعيدة عما تطرقت اليه اخي ..لان الجهل بالمعلومة عن شخصية اهي واقعية او خياليه لا تهم الموجة السياسية والاقتصادية ...(العولمة)في شيئ وإنما العولمة هي ذاك الأخطبوط المعرفي والمعلوماتي الذي يحمل في كل رجل من ارجلة ايديولوجيا ان لم يحسن تهيئة فضاء عيشه؛ تربى في الكيان العربي او غيره مسموما ولا ينتج الا حنضلا ..... هذا الفضاء يعتمد في مايعتمد عليه اصلاح المؤسسات وارشاد الطاقات ديمقراطيا..في كل مجال مادامت الحياة العصرية صارت ومن قديم بنيويا لا يستقيم قطاع دون الاخر.. شكرا