لندع الآخرين يستفيضون في الكلام الحماسي عن التصميم المتقن والمدهش للدماغ البشري، الكيان الأكثر تعقيدا وتقدما في عالمنا المعروف، كما يقولون. ديفيد ليندن، أستاذ علم الجهاز العصبي في جامعة جونز هوبكنز، لا يرى الأمر من هذا المنظور. بالنسبة إليه، فإن الدماغ "كتلة من الفوضى". وظائفه مدهشة طبعا، لكن تصميمه "غريب وغير فعال... إنه تجمع غريب من الحلول الملائمة التي تراكمت على مر الملايين من سنوات التطور البشري"، كما يجادل في كتابه الجديد بعنوان The Accidental Mind (الفكر العرضي) من منشورات جامعة هارفارد. فالأبحاث المتعلقة بالأسس البدائية لأدمغتنا تتعدى كونها طلقة أخرى في المعركة حول ما إذا كانت البنى الأحيائية نتيجة لتصميم خارق أو تطور أحيائي (مع أن ليندن لا يشك في أنها نتيجة التطور)، فهي تحل ألغازا مثل: لماذا لا نستطيع دغدغة أنفسنا، ولماذا نحبك روايات حتى في أحلامنا، ولماذا لا تزال في أدمغتنا سمات تعود إلى الحيوانات الزاحفة.
ومثلما أن دماغ الفئران هو دماغ عظاية "مع بعض الإضافات"، كما يقول ليندن في كتابه، فإن الدماغ البشري هو أساسا دماغ فأرة مع بعض الإضافات. هكذا بات لدينا نظاما رؤية. في الحيوانات البرمائية، تتم معالجة الإشارات التي تتلقاها العين في منطقة تدعى الدماغ الأوسط، تعمل على إرشاد لسان الضفدعة مثلا لاعتراض الحشرات أثناء طيرانها وتتيح لنا التنحي عندما نرى كرة شاردة تتجه نحونا بسرعة. ولا يزال دماغنا الأخرق يحتفظ بهذه البنية البصرية البدائية مع أن معظم الإشارات التي تتلقاها العين تعالَج في القشرة البصرية، وهي من الإضافات الأكثر حداثة. إذا تضررت، يقول المرضى إنهم لا يستطيعون رؤية شيء. ولكن إذا طلب إليهم الإمساك بشيء ما، فإن الكثيرين منهم ينجحون في ذلك من المحاولة الأولى. وإذا طلب اليهم تقييم التعابير العاطفية على أحد الوجوه، فإنهم يقيمونها بالشكل الصحيح بمعدل يفوق المعدل المتوقع لو كان الأمر عشوائيا، لا سيما إذا كانت تعابير غضب.
إنهم لا يكذبون بشأن عجزهم عن الرؤية، فهم يرون لكنهم غير مبصرين، وقد فقدوا ما نسميه "حاسة البصر" غير أنهم يرون بواسطة النظام البرمائي البصري. ولأن الدماغ الأوسط غير متصل بمناطق إدراكية أكثر تطورا، فليس لديهم إدراك واع لمواقع الأشياء أو تعابير الوجوه. من الناحية الإدراكية، يبدو العالم حالك السواد، لكن في اللاوعي، تنتقل الإشارات البصرية من الدماغ الأوسط بسهولة إلى اللوزة (التي تقيم العواطف) والمنطقة القشرية الحركية (التي تدفعنا إلى مد أذرعنا).
فالأدمغة البــــدائية تتحكم في الحركة بواسطة المخيخ. وهذه البنية القابعة في مؤخرة الدماغ تتوقع الشعور المصاحب للحركة، وترسل إشارات كابحة إلى القشرة الحسية الجسدية التي تعنى بحاسة اللمس، مشيرة إليها بألا تعير أي اهتمام للأحاسيس المتوقعة (مثل الشعور بالقماش على بشرتنا أو التراب تحت أحذيتنا). لهذا السبب لا يمكننا دغدغة أنفسنا: فمخيخ الزواحف منع هذا الإحساس من الاندراج في الجزء الدماغي المرتبط بالأحاسيس. وعدم تسجيل الأحاسيس التي تسببها حركاتنا يؤثر بدوره على الشعور بمدى قوة ضربنا للآخرين. من هنا يأتي العذر المعهود الذي يعطيه الأطفال المشاكسون لأمهاتهـم: "لكــن أمــي، هـو ضربنـي بقــوة أكـبر!".
قلما تختلف الخلايا العصبية عن خلايا السمك الهلامي الذي يعود إلى ما قبل التاريخ. "إنها بطيئة وغير محكمة وغير موثوقة"، كما يصفها ليندن، وتميل إلى الإخفاق في مهامها: في الوصلات بين الخلايا العصبية، تبلغ إمكانية خسارة الإشارات 70 بالمائة. وللحرص على بلوغ الإشارات هدفها، يحتاج الدماغ إلى أن يكون متشعب الوصلات، حيث تشكل خلاياه العصبية الـ 100 بليون نحو 500 تريليون نقطة اشتباك بين الخلايا العصبية. هذا التشابك يفوق طاقة جيناتنا الـ23000. لذا يحتاج الدماغ النامي إلى استكمال وصلاته بعد الولادة (وإلا لما تمكن رأس الطفل من الاتساع في قناة الولادة). فردود الفعل والتجارب الحسية تنظم عمل الخلايا العصبية خلال طفولتنا الطويلة، وهي الفترة التي ينضج فيها الدماغ.