قبل وقت غير بعيد، كان الدولار الواحد يُعتبر بقشيشا جيدا لخدام الفنادق حول العالم. لكن في الآونة الأخيرة، وجدت ميغان كاريلا، وهي مديرة تنفيذية من نيويورك، البالغة من العمر 34 عاما، تسافر باستمرار من المكسيك إلى اليونان بداعي الأعمال، إن خدام الفنادق باتوا أقل تحمسا للبقشيش الذي تعطيهم إياه. فقد اعتادت أن تعطيهم دولارين أو ثلاثة دولارات على الأقل للحصول على خدمة جيدة. تقول: "كانوا يبتسمون عندما تعطيهم دولارا. أما الآن فيبدو الأمر وكأنه إهانة".
ليس خدام الفنادق الوحيدين الذين انتهت حكاية عشقهم للدولار. بعد بلوغ الدولار ذروته في فبراير 2002، انخفض الآن بمعدل 20 بالمائة مقابل مجموعة من العملات العالمية لا سيما الروبية والدولار الكندي والريال، مع تسجيل 3 بالمائة من ذلك التراجع في الأشهر الثلاثة الأخيرة. تعمد البلدان في مختلف أنحاء العالم إلى خفض قيمة عملتها المحلية في مقابل الدولار. وقد بدأت سندات اليوروبوند بالتنافس مع سندات الخزينة الأمريكية القوية جدا كعملة احتياطية في بلدان مثل روسيا والسويد. ثمة اتجاه حتى إلى تسعير نفط برنت الخام باليورو بدلا من الدولار. يسأل هانز ريدكر، الرئيس المسؤول عن استراتيجية أسعار الصرف في بنك بي أن بيه باريباس: "هل نشهد أفول الدولار؟ على الأرجح نعم".
قبل وقت قصير، كان هذا سيسبب الذعر. لكن السيناريو الكارثي عن بيع الآسيويين للدولار بكميات كبيرة ما يسرّع سقوطه ويؤدي إلى ركود عالمي، لم يتحول واقعا، فقد تبين أنه تهديد وهمي على غرار أسعار النفط التي بلغ ارتفاعها درجة من شأنها تعطيل الاقتصاد. في الواقع، يساعد التراجع البطيء والمطرد للدولار على الحد من تهديد آخر» العجز الكبير في الميزان التجاري الأمريكي. يحصل هذا كله بينما تتخلى أمريكا عن دورها كقوة عظمى وحيدة في العالم » ويتبين أنه أمر إيجابي ليس إلى الأمريكيين وحسب إنما أيضا إلى بقية البلدان. تتوقع منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في باريس أن يرتفع إجمالي الناتج المحلي الأمريكي بنسبة 2.1 بالمائة فقط سنة 2007، مسجلا تراجعا عن نسبة الـ3.3 بالمائة التي حققها العام الماضي. لكن المشهد الاقتصادي العالمي سيكون أفضل مما هو عليه منذ سنوات، بفضل صعود أوروبا (بقيادة ألمانيا) وانتعاش اليابان والأهمية المتزايدة لبلدان مثل الصين والهند.
مع تراجع النمو الأمريكي، بدأت البلدان النامية فصل أسعار عملاتها عن الدولار. قبل ثلاثة أسابيع، قامت الكويت بالخطوة بعد الصين وروسيا وماليزيا وبلدان أخرى. وعبر القيام بذلك، تتحرر الاقتصادات الناشئة من قيود السياسات النقدية الأمريكية التي وُضًعت لتتناسب مع اقتصاد متباطئ. يسمح هذا للاقتصادات الناشئة بأن تحدد معدلات فوائد متناسبة مع أهداف النمو وليس أسعار العملات، ويمكّنها تاليا من السيطرة على طفرة النشاط الاقتصادي. كان لهذا التحول تداعيات عدة. تفكر بلدان مثل إيران والعراق وليبيا وفنزويلا وروسيا ببيع نفطها باليورو بدلا من الدولار، لأسباب سياسية، إنما أيضا لأن بعضا منها (روسيا ودول الخليج في شكل خاص) يشتري الحصة الأكبر من وارداتها من أوروبا ويخسر قوة شرائية عند تحويل مكاسبه بالدولار إلى اليورو.
في هذه الأثناء، تستطيع البنوك المركزية التي يتضاءل اعتمادها على تحركات الدولار أن تبدأ بالابتعاد عن سندات الخزينة الأمريكية والتحول نحو استثمارات أكثر إنتاجية ومردودية. بدأت دول عربية مثل البحرين والسعودية وإمارة دبي بتحويل الأموال التي كانت توضَع في السابق في احتياطي العملات الأجنبية نحو المشاريع الاستثمارية الداخلية. الشهر الماضي، قامت الحكومة الصينية بخطوة جذرية واستعملت ثلاثة بلايين دولار من الاحتياطي الكبير الذي تملكه بالدولار، لشراء حصة بقيمة 10 بالمائة في شركة الأسهم الخاصة الأمريكية "بلاكستون".
وتكتسب سندات اليوروبوند زخما أيضا بينما يفوق النمو في منطقة اليورو النمو الأمريكي لأول مرة منذ ست سنوات، ما يعزز أكثر فأكثر أسواق الرساميل الأوروبية ويستقطب تاليا مزيدا من المشترين. غلب اليورو على نصف إصدارات السندات الدولية العام الماضي» حيث بلغت الإصدارات باليورو نحو ضعف الإصدارات بالدولار، بحسب المجموعة التجارية اللندنية "إنترناشيونال كابيتال ماركتس أسوسييشن". وفي الإجمال، تبلغ الديون التي يغلب عليها اليورو أكثر من 45 بالمائة من الديون الدولية الأساسية في شكل سندات، في حين تبلغ الديون التي يغلب عليها الدولار 36 بالمائة. يتوقع تقرير صدر أخيرا عن دويتش بانك (البنك المركزي الألماني) أن يشكل اليورو 40 بالمائة من احتياطي العملات الأجنبية في العالم بحلول سنة 2010، بعدما كان يشكل 19 بالمائة عام 2001 و26 بالمائة الآن. سيمنح هذا بدوره أوروبا نفوذا سياسيا جديدا. يقول نيل أوبريان، مدير مركز الأبحاث اللندني أوبن يوروب: "أن تكون صاحب العملة الاحتياطية التي يختارها العالم يمنح هيبة، ويؤثر في نظرة الناس إلى بلدك [أو منطقتك]".
وسوف يسمح هذا للأوروبيين أيضا باقتراض المال بثمن أقل، حتى مع ارتفاع فوائد القروض التي تسجل انخفاضا غير اعتيادي في أمريكا. كونهم حاملي العملة الأكثر سيولة في العالم، لطالما أفاد الأمريكيون من معدلات فوائد منخفضة بطريقة غير متكافئة، وهو ما يؤدي إلى توفير نحو 100 بليون دولار سنويا في تكاليف الاقتراض مقارنة بباقي العالم. (وصف شارل ديغول ذات مرة هذه النعمة بـ"الامتياز الكبير" لأمريكا). بينما يتنوع الاقتصاد العالمي متباعدا عن الدولار، "سيخسر الأمريكيون هذا الامتياز"، بحسب أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد كينيث روغوف. ويتوقع علماء الاقتصاد أن يضيف هذا التحول 0.5 بالمائة إلى معدل فاتورة الرهن الأمريكية.
لكن حتى ولو كان مالكو المنازل والسياح الذين يحملون الدولارات في الخارج يشعرون بالمأزق، سيكون تراجع الدولار في نهاية المطاف أمرا إيجابيا للولايات المتحدة والعالم على السواء. من شأن إعادة إرساء التوازن أن تحدّ من العجز التجاري الأمريكي الذي يبلغ 765 بليون دولار، وأن تساعد أيضا على خفض كلفة العمالة وتحافظ على مزيد من الأعمال في الداخل. ومن شأن التنويع في احتياطي العملات أن يساعد أيضا على تخفيف التشنجات السياسية الأمريكية مع الصين والشرق الأوسط من خلال الحد من مفهوم أن تلك البلدان تخزن الدولارات للحفاظ على ميزة تجارية تنافسية.
لكن المنفعة الأهم هي أيضا الأكثر وضوحا وهي اقتصاد عالمي أكثر توازنا. ففي العقدين الماضيين، أصابت كل الأزمات المالية الكبرى تقريبا أنظمة أسعار الصرف الصلبة أكثر من اللازم (روسيا عام 1998 والأرجنتين عام 2000)» من شأن الخطوات الأخيرة لفصل العملات المختلفة عن الدولار أن تحدّ من ذلك الخطر في المستقبل. كما أن النمو العالمي لم يعد يتوقف على المستهلكين الأمريكيين وحسب، بل أيضا على التصنيع الصيني والاستثمار العربي والطبقة الوسطى الجديدة في الهند. يقول هولغر شميدنغ، رئيس شعبة الاقتصاد الأوروبي في بانك أوف أميركا موجزا الوضع: "لم يعد الاقتصاد العالمي مركزا على نمط واحد. لم تعد لعبة غالب ومغلوب". وهذا تغيير مرحب به للمصرفيين وخدام الفنادق على السواء
http://newsweek.alwatan.com.kw/Defau...017&pageId=136