يحدث في الجلسات الخاصة التي تجمع أي مجموعة يوجد بينها شيئ من التجانس تبادل النكات والطرائف . من النكات التي لاأزال أتذكرها كونها كانت تجعلني في بداية شبابي أزعل ممن يرويها نكتة ملخصها أن أحدهم سأل رجل الدين الذي كان يخطب في حشد من الناس في المسجد عن شكل الحشيش الذي كان موضوع الحديث ففوجئ به يخرج قطعة حشيش من عمامته ويقول " مثل هذه " .
والمتابع للأفلام المصرية بشكل خاص سيلاحظ تكرار وجود تلك الشخصية التي ظاهرها التدين والتقوى لكنها في السر تمارس سلوكيات بعيدة عن التدين ومنها المتاجرة في المخدرات أو بيع شقق في عمارات وهمية ثم يطير بالأموال ، ودونما شك فإن المصريين ألفوا المئات من النكات في شخصيات وموضوعات كهذه .
حقيقة كنت أغضب من مثل هذه النكات رغم معرفتي أن تداولها لا يقصد من ورائه الإساءة إلى رجال الدين الذين كانت ولا تزال لهم المكانة والاحترام في مجتمعنا رغم أنني لم أكن أنفي احتمالية وجود من يتستر بستار الدين لتحقيق مآربه الخاصة ،ولكنني اليوم وبسبب حجم القصص التي أسمعها أو أقرأ عنها و طرفاها بعض المتدينين ( أو ممن يعتبرون أنفسهم من المتدينين ) والمخدرات صارت ترتسم أمامي علامة استفهام كبيرة حول العلاقة بين هذين الطرفين النقيضين حيث لا يمكن للعقل أن يتقبل سلوكا يتمثل في المتاجرة بالمخدرات يمارسه رجل ( أو منظمة ) يفترض أن الرابط بينه وبين الخالق والدين كبيرة.
لا داعي للعجلة فليس الحديث هنا عن رجل دين يعيش بيننا ( ولو أن سلوكيات بعض رجال الدين لدينا تظل مثار تساؤل سواء في تعاملهم مع الآخرين خارج بيوتهم أو في تعاملهم مع زوجاتهم وأهل بيتهم ) ولكنني أتحدث عن الأخبار والتقارير التي نشرت أمس عن تهريب كميات من المخدرات وبيعها في محيط بعض المزارات المقدسة في العراق ، وكذلك عن العلاقة بين جماعة طالبان التي لا يتردد المنتمون إليها عن قتل أنفسهم فداء للدين وضمانا للجنة بينما لا تتوانى عن المتاجرة في المخدرات ( كما هو شائع ).
كان الخبر الذي تداولته وكالات الأنباء تحت عنوان ( المخدرات الإيرانية تغزو أبرز المزارات في العراق ) مؤلما بقدر ما كان مثيرا ، ملخصه أن كميات من المخدرات المهربة من إيران بدِأت تنتشر بالمزارات الكبرى في العراق ولا سيما في مدينة كربلاء ( اختيار المناطق الدينية عادة سببه تمتعها بقدسية معينة يستبعد معها رجال الأمن تواجد المروجين فيها) وأنه تم ضبط نحو طنين من هذه المواد منذ سقوط النظام العراقي السابق وهي متنوعة بين الحشيش والهيروين ، حسب مدير الأمن الوطني العراقي في حديثه ل"العربية نت".
وقبل فترة وجيزة جاء تقرير واشنطن يحمل العنوان التالي ( تداول المخدرات في أفغانستان مرتبط بصورة وثيقة بحركة التمرد التي تقودها طالبان ) وملخصه أن مسئولين أميركيين وبريطانيين أعلنوا أن تجارة المخدرات في جنوب أفغانستان مرتبطة ارتباطا وثيقا بحركة التمرد التي تقودها طالبان ..وأن حكومة كابل بحاجة إلى مزيد من الدعم من حلف الناتو وقوات دولية للمساعدة في مكافحة تجارة الأفيون والهيروين .حيث المعروف أن أفغانستان تزود العالم بحوالى 90 % أو أكثر من مادة الأفيون ..وحسب "الخبراء" فإن القضاء على هذه التجارة سيستغرق "عقودا" .
من الناحية الدينية يجزم جميع رجال الدين بغض النظر عن مذاهبهم وانتماءاتهم واجتهاداتهم وبلدانهم على تحريم المخدرات لأن " كل ما يذهب بالعقل والوعي" تحرمه الشريعة والإسلام الحنيف ، لهذا يعذبني السؤال عن العلاقة بين حركة طالبان التي ترفع راية رسول الله والمتاجرة في المخدرات أو على الأقل السماح بالمتاجرة فيها ..هل ما تقوم به يدخل في باب "الضرورات تبيح المحظورات " وعلى اعتبار أن الحركة في حالة حرب أو جهاد وهي في حاجة إلى الأموال لشراء الأسلحة حصلت على من يفتي بجواز المتاجرة في المخدرات ؟ وهل عملية تهريب المخدرات من إيران تتم بعلم من قيادتها وهي قيادة دينية ؟ وإذا كان ذلك يتم من ورائها فلماذا من الأساس لا تضع محاربة المخدرات ضمن أجندتها ؟
جملة التناقضات هذه تؤلمني وأجزم أنها تؤذي وتؤلم كل من يعلم بها ، كيف يمكن لدولة وحركة ترفعان شعار الإسلام والدفاع عنه والترويج لمبادئه المتاجرة في مواد خطيرة كهذه تذهب بالعقل والوعي وتقضي على الإنسان ؟ وإذا كان الأمر يتم من ورائها فلماذا لا تمنع زراعته من الأساس ؟ وإذا كانت تمنع زراعته فلماذا لا تحارب من يتاجر فيه . لا بد من وجود حلقة ضائعة لكن الأكيد هو أن الآخرين لا يتأخرون عن نشر الكلام عن مثل هذه الدول والحركات خاصة و أن المخدرات مواد موجودة ويتم تداولها ..تزرع وتهرب وتباع وتشترى وتستخدم ..ويفقد بعض مستخدميها حياته بسببها .
الحديث هنا ليس مقتصرا على إيران وأفغانستان ولكنهما جاءا كمثال فرضتهما الأخبار المتداولة والتقارير ، وإنما هو بحثا عن إجابات شافية للعلاقة بين رجال الدين والمخدرات هل هي علاقة حقيقية تستدعي من ثم التوقف والمناقشة والمحاسبة أم هي علاقة غير حقيقية يهدف الغرب من خلال تناوله لها الإساءة إلى الدين ورجاله ؟
أعتقد أنه في الحالتين مطلوب من الحريصين على الإسلام التحرك فما يحدث يسيئ إلى الدين الإسلامي إساءة كبيرة .