مساحة رحبة للنقاش والحوار والنقد البناء لمختلف القضايا والمستجدات
حول العالم وهو أحد مواقع شبكة مكتوب المعرفة والتدوين.
انضم الآن و تابع بأحداثه السياسية ، الإقتصادية ،
الإعلامية الساخنة، وبؤر النزاعات المحلية والإقليمية والدولية.
السوق العربية حلم بددته العولمة - محمد مثقال عصفور - جريدة الرأي
كلما تجتاح اقتصاديات الدول العربية عاصفة دولية تظهر الحاجة الى صيغة التكامل الاقتصادي والسوق العربية المشتركة، فهذه الفكرة الوحدوية لا زالت تمثل اطاراً مهماً لتعزيز قدرة الاقتصاديات العربية في ان تجنب ذاتها ازمة مالية او اقتصادية دولية، واذا كانت فكرة السوق العربية المشتركة قد اودعت ارشيف الجامعة العربية لتكون جزءاً من المخزون الاقتصادي التاريخي لهذه الامة، فان العولمة كانت صاحبة الفضل في ان تودع فكرة السوق الى سجل النسيان لتخرج كلياً من دائرة الحدث، واذا كان للأزمة المالية الدولية الراهنة من ايجابيات فان احياء فكرة السوق العربية المشتركة هي من هذه الايجابيات.
وهنا تحضرني فكرة السوق الاوروبية المشتركة وما لاقت من صعوبات كبيرة ولكنها استطاعت في النهاية ان تصبح حقيقة وان تجسد واقعاً لطالما حلم الاوروبيون به منذ عام (800) ميلادية أي منذ قيام امبراطورية شارلمان التي امتدت من هامبورغ في شمال المانيا حتى صقلية في جنوب ايطاليا، ويتضح امر الوحدة الاوروبية اكثر في مذكرات نابليون التي تقول انه لو ربح الحرب في روسيا فان اوروبا كانت ستصبح امة واحدة بحيث ان أي شخص يسافر من أي مكان الى أي مكان آخر سيجد نفسه في ارض آبائه. وضمن ذات السياق في المقارنة بين صعوبات تحقيق السوق المشتركة في كل من اوروبا والعالم العربي، نقول ايضاً ان حروب المائة سنة التي اجتاحت اوروبا وكذلك الحربين العالميتين التي لفت كل ارجاء اوروبا، كل هذا لم يستطع ان ينتزع فكرة الوحدة الاوروبية بل بقيت هذه الفكرة حية في عمق الوجدان الثقافي الاوروبي الى ان أبصرت النور وغدت حقيقة ماثلة للعيان. ومن هنا، نقول انه غرم كل المعوقات الصعوبات التي تعترض سبيل العودة الحقيقية الى المربع الاول للسوق العربية المشتركة، فان هذا يجب الا يقوى على انتزاع هذه الفكرة من اغوار الوجدان العربي وصميم الثقافة العربية، فكما ان السوق الاوروبية استطاعت ان تتعايش مع العولمة والانفتاح والتدويل، كذلك فان السوق العربية المشتركة يجب ان تتناغم مع الظروف الاقليمية والعربية والدولية وان تتعلم كيف تنضج في الجليد وان تحتوي حالة الانفتاح والعولمة ضمن منطق اصلاح النظام الاقتصادي الدولي الذي يتيح بالضرورة هامشاً اكبر لأن تتمكن السوق العربية المشتركة من ان ترى النور.
ان الحقيقة التي يجب ان تبقى ماثلة امام اعيننننا هو ان السوق العربية المشتركة وكذلك التكامل الاقتصادي العربي تبقى الصيغ الأمثل لصيانة نموذج تنموي عربي قابل للاستدامة وقادر على ان يخلق في مضامينه زخما من الاندفاع في تحقيق معدلات نمو قياسية.
ان الاعتقاد ان فكرة السوق العربية قد بددتها منظمة التجارة العالمية والعولمة والانفتاح والتدويل هي فكرة ليست صحيحة لا بل ان الازمة المالية الدولية وما يخرج من كل ارجاء الدول النامية من اصوات تدعو الى الارتداد الى السياسات الحمائية انما هو تأكيد صارخ على ان المناخات الدولية والاقليمية باتت اكثر قبولاً للعودة الى مسح الغبار عن فكرة السوق العربية المشتركة، فهل تعود هذه الفكرة لتكون حاضرة في مؤتمر القمة العربية القادم.. وهل تعود جامعة الدول العربية ومجلس الوحدة الاقتصادية العربية الى احياء هذه الفكرة وايجاد الأطر العملية الكفيلة بترجمتها.. مجرد سؤال او تساؤل نطرحه لكنه يبقى مفعماً بالأمنيات التي لا بد وان تتحقق يوماً كما حدث وتحقق حلم اوروبا بعد اكثر من الف عام على ولادة الفكرة.