قبل يومين كنت أسيرُ في الطريق فشاهدت امراءة كبيرة قليلاً بالعمر تتحدث مع نفسها , و من طبعي أحبُ الفضول لذلك قربت نحوها دون أن تعلم من أجل أن أسمع ماذا تتحدث هذه المراءة , يا لطيف ماذا سمعت ! لن تصدقوا ماذا سمعت ! اذا أردتم أن تعلموا ماذا سمعت أريد ضمانات من أجل أن اتكلم بحرية .
بصراحة لا أريد أن أروي لكم كل الذي سمعته , صدقاً انا لست متعوداً على الحرية و لا أحب الحرية , سأكتفي بالأمور التي تُحكى , و باقي الأمور التي لا تحكى سأحتفظ بها لنفسي , و من غير مقدمات دعوني أنقل لكم جزء من حديث المراءة مع نفسها .
كانت تتحدث بطريقة غريبة و قريبة من الهستيرية , غير معقول و لا يجوز ذلك و حرام و يكفي و بعدين معهم , طبعا في البداية انا لم أفهم ما هي القصة مثلكم و استغربت من طريقة كلامها , و تُكمل حديثها مع نفسها و تقول في الأمس إشتريت الكيلوا بــ 55 قرش كيف أصبح اليوم بــ 75 قرش .
بدكم الصراحة أصبح عندي فضول لأعرف ما هو الشيء الذي يجعل إمراءة تتحدث مع نفسها في الطريق , و ما هو الذي كان بـ 55 قرش و أصبح بــ 75 قرش , و فضولي كان سيجعلني أوقِف المراءة و اسألها خير يا أختي .
و لكن هي من غضبها و حرقت قلبها كانت تتحدث مع نفسها بصوت عالي , و كان الموضوع الذي تتحدث عنه هو غلاء اللّبن , و تُكمل حديثها مع نفسها و بدأت تدعي الله يوخذ و الله يقيم و الله لا يسامح , بصراحة الرقابة حذفت الأدعية و لكن أكيد انتم عرفتم على من كانت تدعي هذه المراءة .
صدقاً و من غير لف أو دوران الفقير متضرر من الغلاء دون باقي الخلق , و لا يوجد اي مسؤول يشعر معه أو بهِ , حتى طبقة الاغنياء لا تشعر بالغلاء , لأنهم هم سكان الأرض و الأرض أصبحت ملكهم لوحدهم و نحن بسبب الغلاء أصبحنا سكان تحت الارض , و بالتحديد اصبحنا سكان الطبقة السابعة تحت الارض يعني قريبون جدا من منطقة الانصهار ( نواة الارض ) .
حتى لو أصبح اللّبن بدينار هذا غير مهم عند الأغنياء , و حتى لو أصبح اللّبن بـ عشرة دنانير غير مهم , لأن اللّبن بالنسبة لهم كماليّات و لكن نحن اللّبن بالنسبة لنا من الأساسيات , يعني اللّبن عندهم يستخدم طعام للقطط , و اللّبن عندنا نحن الفقراء مثل الخبز و قلاية البندورة .
ما هو شعوري عندما أشاهد شخص يشرب اللّبن أو الحلّيب أمامي ؟ أكيد و دون شك سيصبح عندي حقد طبقي , و سأكره كل شخص يشرب لّبن او حلّيب , لست أعلم ما هي السياسة التي تستخدم ضد طبقة الفقراء , على ما اعتقد انهم قِرفُونا , و أصبحنا عالِة عليهم و شيْ غير حضاري بالنسبة لهم .
لم يستطيعوا رفع سعر مشتقات البترول فرفعوا سعر العلف , بصراحة لو بقيت على البترول أرحم بقليل , لأنه طبقة الفقراء تستطيع أن تستغني عن البترول و لكن لا يستطيعوا أن يستغنوا عن البّيض و اللّبن , و العلف يلعب دور مهم في حياتنا , بصراحة من غير علف لا نقدر أن نعيش , لأنه عندما يرتفع سعر العلف ترتفع سعر المواشي و تلقائيا ترتفع سعر منتجات المواشي .
كيلوا اللّبن أصبح الان بدولار و قليل من السنتات , و يا خوفي من بكرة كم سيصبح سعر الكيلوا , يعني هكذا حرمتونا من البّيض و من اللّبن , و اللّحمة أيضاً محرومين منها , في الأساس اللّحمة منذ زمن محرومين منها , لم يبقى شيء لم يرتفع سعره , و أي شيء لم يرتفع الى الآن سعره إرفعوه و الفقير إخسفوه .
و كلنا يعلم إنّ المنسف أكلة شعبية , و كنا سابقاً نأكلها من غير لّحم و بعد فترة أصبحنا نأكلها من غير دجاج , و الآن أصبحنا نأكل المنسف بدون اللّبنية ( اللّبن ) , و أعتقد في أشخاص لا تستطيع أن تشتري الرز و تأكل المنسف فارغ يعني تأكل الهواء , يعني رح ناكل منسف من غير نفس .
في مقالي قبل فترة ( إرحموا العبيد قبل ان تبيض ) طلبت منكم ترحمونا قبل أن نبيض . و لكن الان أحب أن أطمئنكم أنه بضّنا و خلّصنا , و بعد ما حرمتونا اللّبن و الحلّيب و حلبتُّونا نحن الآن جاهزون للسلخ وقت ما أردتم إسلخونا و بيعوا جِلودنا ربما بهذه الطريقة حليتوا عن ظهورنا .
تعرفون من هي المرأة التي كانت تتحدث مع نفسها بالشارع , لن أقول لكم من هي , و لكن هي غلبانة و منكم تعبانة , و حالها حال الملايين من الشعب المسكين .