منتديات اخبار مكتوب



  #1 (permalink)  
قديم 10-03-2007, 10:51 PM
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
مشاركة: 2
الافتراضي لائحة اتهام ضد الموتى

لائـحـة اتـهـام
أ . تحسبن يحيى أبو عاصي * غزة – فلسطين *
قررت أن أزور المقبرة من أجل زيارة جدي، لعلي أحاور الموتى أو تحاورني ، باحثا عن قواسم مشتركة ، فقدها العالم أجمع ، العربي والإسلامي والشرقي والغربي ، والدولي واللادولي ،والديني واللاتيني ، والشكنازي و الحمراوي ، حتى عالم القرود والحيوانات .
أخذت أنظر إلى القبور بتمعن وتفحص .... صمت يطبق على المكان تؤرقه شقشقة الطيور ، بدأت أقرأ كثيرا من الكتابات فوق القبور، فوجدتها واحدة أو متشابهة إلى حد كبير ، وموجزة في إيجاز يحقق الوحدة العربية والإسلامية بين الأموات ، القواسم المشتركة التي حققت الوحدة الوطنية بين الموتى هي كل لوائح الاتهام المكتوبة من فوق ظهور القبور : ( توفي يوم كذا... سنة كذا... عن عمر يناهز كذا... قضاها في أعمال البر والتقوى ) .
استغرقت في التفكير وقلت في نفسي : عشرات الألوف من الموتى هنا ، قضوا حياتهم في أعمال البر والتقوى !!! . فأين كانت منهم فلسطين وأفغانستان والعراق وكشمير، والبوسنا ولبنان والسودان والصومال ؟ .
وأين كانت منهم جيوش الجياع والمظلومين من الأمة ؟ .
وأين كان منهم جموع المعذبين والمضطهدين في الأرض ؟ .
وتخيلت كم عدد الموتى في المقابر الأخرى ، وكم عددهم في العالمين العربي والإسلامي ؟ .
قلت : لو أن كل واحد منهم تفل على إسرائيل من فمه أو من أنفه تفلة واحدة لأغرقوا مفاعل ديمونة النووي ، الذي صنع من القنابل النووية ما يغطي جميع مدن وقرى العالم العربي ، ولأغرقوا إسرائيل في بحر من التفال أو التفل ، ألم يقضوا حياتهم في أعمال البر والتقوى ؟ .
وهكذا يصبح الأحياء عندما يتحولون إلى أموات ، سيوجه لكل واحد منهم لائحة اتهام مكتوبة على قبورهم ( قضاها في أعمال البر والتقوى ) .
نظرت غربا وعلى بعد عشرات الأمتار ، جذبني منظر قبر آخر حظي باهتمامي ، لأنني ومن دواعي السخرية أنني أصبحت أهتم بالقبور والموتى ، رأيت من حوله الورود والرياحين والأزهار والإنجيل الأخضر ما لم يوجد في حي بأكمله من أحياء اللجوء للشعب الفلسطيني أو العراقي أو الصومالي ، بل حتى في أحياء كبيرة وكثيرة من أحياء قطاع غزة مثل حي الدرج والشجاعية والزيتون وغيرها الكثير .
ليس فقط ذلك ، بل مطليا بالطلاء الفاخر الجميل ، إلى درجة أنني تمنيت أن يكون لي بيت مثله ، حتى لو في بلاد الماو ماو ، أو بلاد الإغريق ، نظرت أيضا لأقرأ لائحة الاتهام من فوقه ( قضاها في أعمال البر والتقوى ) فإذا هي لأحد القادة الفلسطينيين ، الذين أشبعوا الفلسطينيين تعذيبا وقتلا ولصوصية ما بعدها لصوصية ، إلى درجة أنْ فرح الناس عندنا في فلسطين بمقتله ، وتنفسوا الصعداء ، من كثرة ما قدّم لوائح اتهام ضد شرفاء حركات المقومة الفلسطينية في غزة والضفة الغربية باسم الوطنية والعونطجية .
اقتربت من قبر آخر ، فإذا هو مرصع بالرخام الثمين ، يبلغ ثمن المتر المربع مته مائة دولارا .
قلت في نفسي الأمارة بالسوء ، كم مائة دولار ثمن الرخام على هذا القبر المحظوظ ساكنه ، هنيئا له .
قرأت لائحة الاتهام : ( قضاها في أعمال البر والتقوى ) فيبدو أنني صرت لا أجيد غير قراءة لوائح اتهام زماني .
ثم قبر آخر ، رغب ابن الميت أن يختار لأبيه الميت مكان قبر والده على مفترق شارعين ( هكذا والله ) .
وعلى صفحة قبره لائحة اتهام أخرى ( قضاها في أعمال البر والتقوى ) .
قلت في نفسي بعد أن أخرجت من صدري زفيرا يحكي كل لغات المستضعفين في الأرض : لا يهم فالعدالة تحت الأرض وليست فوق الأرض .
تذكرت سيدنا عمر ابن الخطاب الذي طلب منه أحد الشهود أن يشهد على شراء بيت يسكنه ، فقال للكاتب أكتب : اشترى ميت من ميت قبرا .
وتذكرت أيضا أنني قبل خمسين عاما صحبت جدتي ووالدتي وعماتي عليهم رحمة الله إلى المقبرة من أجل إحياء ليلة الخميس ، وكانت ليلة يحييها الناس في أول يوم خميس للميت ، الذي كان جدي رحمه الله ، هكذا كانت عاداتهم من قبل والحمد لله فقد تلاشت الآن بفعل الصحوة الإسلامية ، واصطحبوا معهم حينئذ ، العنب والبلح والتين المجفف ، والطعام والشراب ، وأمضينا معا ليلة كاملة بجوار قبر جدي المرحوم ، ولكن بدون لائحة اتهام .وتذكرت ما قاله لي جدي المدفون هنا وأنا طفل صغير: أن أيام وعد بلفور خرجت الجماهير في مظاهرات واحتجاجات على وعد بلفور ، تهتف وتقول : فليسقط واحد من فوق ، بدلا من أن تقول فليسقط وعد بلفور !!! .
قلت في نفسي كعادتي أكلمها في ليالي غربتي في وطني ووحشتي بين قومي :
ما أكثر لوائح الاتهام في هذا الزمان !!.
لوائح من أحياء لأحياء ، ولوائح من أحياء لأموات ، ولوائح في السجون المكتظة بشرفاء الأمة ، ولوائح في ميادين وساحات العمل هنا وهناك ، ولوائح في مراكز الشرطة ، ولوائح على الطرقات والمفترقات .
إلا أنا فقد احترت بلوحتي ، لذلك كتبت لأبنائي وصيتي .
ولا زلت أتساءل : هل أنا أكتب على الهواء ؟ وهل أنسج أفكاري فوق الماء ؟
وهل يجدي قلمي فائدة ونفعا للناس بالطبع وليس لي ، فأنا اقتربت من الستين عاما، ولا انتظر من الدنيا إلا موتا كريما ، وليس موتا فاضحا كما يموت الناس اليوم .
وهل أحد من الناس يصله صدى صرختي ، وعمق عبارتي ؟ .
وتذكرت صرخة حاخامات اليهود في أوروبا سنة 1787، عندما دعوا لإقامة وطن لليهود في فلسطين ، وكانت حينئذ صرخة في صحراء ، وكيف تم تنفيذها في هذه الأيام ، فلم أزل أسمعها وأجدها ، تصفع مني الوجه وتجدع مني الأنف ، وقلت : لماذا لا نصرخ جميعنا نحن أصحاب الأقلام المستضعفين والمقهورين والمضطهدين ؟ أليس القلم أحد وأمضى من السيف والبندقية ؟ .
لعلنا بصرختنا هذه نبني لنا وطنا جديدا ، على كوكب زحل أو المريخ أو المشتري ، أو حتى فوق الشمس ، أو على سفينة في البحر فلا يهمنا ، فالمهم وطن ... .
أليس ذلك أفضل بكثير من أن يُجمع العالم بأسره ، بما فيهم الحكومات العربية والإسلامية ، على أن يكون وطن الفلسطينيين تحت الأرض ؟ .
ألم يتآمروا من قبل على توطيننا في صحراء سيناء في حقبة الخمسينات ؟
وتأمروا على توطيننا في ما يسمى بالوطن البديل في الأردن ، وتآمروا على توطيننا في دول الشتات خاصة أوروبا الغربية والذي يشهد على ذلك هو موجات الهجرة لشبابنا من أرض فلسطين وبامتيازات مغرية ، وتآمروا على توطيننا في العراق ( خطة شارون بوش السرية ) .
ألم يقولوا لنا منظرين علينا : أن وطنك حيث وجدت المحبة والأمن ؟
كان لي صديق عملنا معا في مكان واحد مدة من الزمن ، كان يحب حركة فتح إلى درجة كبيرة جدا ، وصلت إلى درجة التعصب لها ولأفكارها وسياستها ، وكان يكره حركة حماس كرها شديدا ، هاجر إلى غرب أوروبا ، شأنه شأن الكثيرين من الذين هاجروا إلى هناك ، بعد أن وصل بشهرين رفع سماعة الهاتف ليتكلم معنا ، فبدلا من أن يقول أول كلماته كيف حالكم وما هي أخباركم ، قال :
( ..... أخت فلسطين ) هكذا أقسم بالله وبالحرف الواحد ، وغدا عندما يموت يكتبون له لائحة اتهام ( قضاها في أعمال البر والتقوى شارحا عدالة قضيته إلى العالم ) .
صمتُّ برهة من الوقت .... كصمت القبور ، فلا بد هنا أن نحترم مشاعر الموتى ونلتقي معهم في قواسم مشتركة .
ثم قلت في نفسي : أليس من الجهاد أن تخرج المرأة للقتال بدون إذن زوجها إذا احتل العدو جزءا من أرض الوطن ؟
ألسنا أكثر من مائتي مليون عربي ، ومليار ونصف مسلم ؟
فلماذا نلوم الفئة الضالة .... التائهة ....المنحرفة .... التكفيرية .... الجهادية .... الإسلامية .... الحرة ....الشريفة ....؟؟؟
هل كل يغني على ليلاه ؟ .
لقد صدق الشاعر :
وكل يدعي وصلا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكَ
إذا اشتبكت دموع في جفون ٍ تبين من بكى ممن تباكى
ثم قلت : يكفينا عشرة ملايين عربي أو مسلم بدلا من المليار ونصف مسلم .
ولا يهمني من قريب ولا من بعيد ، أن أكون في نظر المغنين والراقصين والمصفقين والعراة ، أن أكون منحرفا تكفيريا تائها ، لأن المعادلة المفروضة هي : أن أكون أو لا أكون ، فإما أن ننبطح تحت الجسم الأمريكي نغنج لحبات اللوز ، منسجمين بالخازوق المدقوق ولن يُقرع ، من شرم الشيخ إلى سعسع ، أو أن عيني سوف تُثلم المخرز الأمريكي اليهودي حتى وإن قُلعت ، فكيف لو كان كسره قريبا بإذن الله تعالى .

علمني جدي المرحوم أنه : لن يضيع حق ووراءه مطالب .
وعلمني أن لا أقول : فليسقط واحد من فوق بل أقول : فليسقط وعد بلفور .
تعم لأننا مائتي مليون عربي ، ومليار ونصف مسلم .
وأخيرا أودعكم أيها المقهورين بما قد قيل :
تموت الأسد في الغابات جوعا ولحم الضأن يرمى للكلاب
فهل ستنتظرون حتى الموت جوعا يا تُرى!؟
والسلام عليك يا جدي .

زيارتكم شرف كبير لي
www.tahsseen.jeeran.com
httb://tahsseen.maktooblog.com

من مواضيع tahsseen :
قصة طلعة خير
لائحة اتهام ضد الموتى

__________________

  #2 (permalink)  
قديم 10-15-2007, 11:55 AM
عضو
 
تاريخ التسجيل: Oct 2007
مشاركة: 1
الافتراضي

رحمنا الله


__________________

  #3 (permalink)  
قديم 11-18-2007, 04:41 PM
Moderator
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
مشاركة: 265
الافتراضي

لا تعليق .. كل الشكر علي التحفة

من مواضيع sir-joe :
اعرف وجبتك من اسمك
مباراة الارجنتين والبرازيل
قولوا مبروك لانامل المنتدي
احلي تحية لكل افراد المنتدي
مقابلة حصرية لجراح الجميل
__________________
sir.joe

__________________

الرد على الموضوع


خيارات الموضوع
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا يمكنك إضافة موضوع جديد
لا يمكنك الرد على المواضيع
لا يمكنك إضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

كود vB متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML مغلق
Trackbacks are مغلق
Pingbacks are مغلق
Refbacks are مغلق


الساعة الآن بتوقيت مكة المكرمة. » 09:19 PM.


Powered by vBulletin Version 3.6.7
Copyright ©2000 - 2008, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO 3.1.0