ليس من الطريف أبداً أن يبدو أن أجهزة الاستخبارات هي الوحيدة التي تعمل بدقة ومهنية واحتراف، والتي تفكر وتخطط وتوجه اكثر من بين بقية اجهزة الدولة الاميركية التي اكتسبت منذ هجمات 11 ايلول عام 2001 الكثير من صفات الدولة الأمنية، تجاه شعبها اولاً، ثم تجاه مختلف شعوب العالم، لا سيما العرب والمسلمين منهم بشكل خاص.
الملاحظة ليست عابرة في سياق القراءة الثانية لتقرير اجهزة الاستخبارات الاميركية حول البرنامج النووي الايراني، الذي صدر قبل يومين وكان بمثابة زلزال سياسي لا تزال اصداؤه تتردد في كل مكان من العالم، وتتسبب بانعطافة حادة في المسار العام للسياسة الدولية وليس فقط لجدول اعمال ادارة الرئيس جورج بوش، في سنتها الاخيرة في الحكم. ثمة خلل جوهري في أداء أميركا ووعيها تجلى خلال السنوات الست الماضية، التي كان جيشها يسبق عقلها، وحربها تشكل ثقافتها ورسالتها.
التقرير موجه الى الداخل الاميركي. وهذه هي اهميته الرئيسية. وهو لا يقتصر على الاكتشاف بأن الاستخبارات تصنع السياسة، لأن صناع القرار غالباً ما يلجأون سراً الى رجال الاستخبارات وتقاريرهم ومعلوماتهم اليومية احياناً قبل وضع خططهم وبرامج عملهم السياسية. الجديد هنا هو ان التقرير اذيع في مؤتمر صحافي، بعد اقل من اسبوع على تسليمه الى الرئيس بوش. يمكن القول إنه لم يكن بالإمكان الحؤول دون تسرب مضمونه الذي اعده 16 جهازاً استخباراتياً الى الصحافة. لكنه لا يمكن الزعم ان اميركا دولة لا تستطيع حفظ أسرارها أو أنها ببساطة دولة من دون أسرار.
ثمة من أوصى بالنشر، او تعمد الاعلان عن التقرير غير الملائم ابداً لإدارة بوش: الاستخبارات تنتقم من السياسة التي حولتها الى كبش محرقة لإرهاب تنظيم القاعدة الذي ولد وترعرع في داخل اميركا، وتحديداً في مسجد الفاروق في حي بروكلين في نيويورك، ولتبرير احتلال العراق من خلال تلفيق معلومات عن حيازة صدام حسين اسلحة دمار شامل، مع ان صناع القرار الاميركي كانوا يعرفون انه لم يكن لديه جيش، ولا حتى استخبارات...
أميركا ليست جمهورية موز، على ما قال سفيرها في الامم المتحدة زلماي خليل زاد في سياق آخر قبل ايام. لكن استخباراتها تصرفت مثلها مثل الأجهزة الاستخباراتية الحاكمة في أي جمهورية موز، عندما وجهت صفعة مدوية الى ادارة بوش يمكن ان تنهي ولايتها قبل الأوان او يمكن على الأقل ان تشلها تماماً، وتحرمها من فرصة خوض الحرب العالمية الثالثة التي كانت تلوّح بها بين الحين والآخر، وتحدد لها موعداً تقريبياً عام 2008.
لم يتضمن التقرير اي جديد لا يعرفه العالم كله. ليس لدى ايران برنامج نووي عسكري. القنبلة محرمة شرعاً وبفتوى صريحة اعلنها المرشد آية الله علي خامنئي بنفسه: ماذا لدى اميركا من برنامج سياسي... تحدده هذه المرة اجهزتها الاستخباراتية الـ.16