لم يعد سراً أن الصراع الدائر بين التيار الليبرالي والتيار الديني في السعودية قد بلغ أقصى حدود التصادم خلال الثلاث سنوات الماضية ومازال حتى الآن، وليس هناك من شك أن الشارع المنقسم بين هذين التيارين مازال متقلب المواقف حتى الآن فتارة يشجع وجود سلطة دينية تحمي الأعراض والقيم والعادات والتقاليد المتوارثة وتارة يشجب هذا الوجود لما يقوم به من تصرفات لا عقلانية متجاوزاً بذلك الحدود التي رسمها له الشارع ولم تحددها الدولة بأي شكل من الأشكال بل ربما تركت المجال لمثل هذا الصراع حتى تبقي كافة التيارات الشعبية متصارعة مما يتيح لها المجال بزيادة إحكام قبضتها على الشارع، وكذلك الأمر بالنسبة للتيار الليبرالي الذي يجد تارة التشجيع والدعم من الشارع والصحافة ويجد نفسه خصماً للطرفين تارة أخرى.
كافة التيارات المحركة للشارع السعودي تعاني من تذبذب تأييد الشارع لها فتارة مؤيد وتارة معارض وليس هناك من ثبات قد يرجعه قادة التيارين لعدم نضوج الفكر السياسي في الشارع السعودي والحقيقة أبعد ما تكون عن هذا المسبب ، فأهل الخليج هم ذوي الثقافات السياسية الكبيرة حالهم حال أي مواطن عربي يعيش السياسة منذ استيقاظه صباحاً وحتى نومه ولربما حلم بالسياسة أثناء نومه أيضاً.
بالنظر إلى خبايا الشارع العربي والسعودي ومحركاته أجد أن قراءة واحدة صحيحة لتفسير موقفه من بين زوايا عناصر المجتمع السعودي الثلاث المتبقية (ديني ، ليبرالي ، وحكومة) وهذه القراءة (وإن لم تكن مكتوبة) تنص على أن الشارع السعودي ينتقد في التيار الديني بالدرجة الأولى كون محركيه هم من شيوخ السلاطين الذين لا يتورعون عن إصدار مختلف أنواع الفتاوي لتبرير قذارات الحاكم وزبانيته وحواشيه، وعليه فإن حديث الرسول عليه الصلاة والسلام (إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه و إذا سرق فيهم الضعيف قطعوه و أيم الله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطع محمد يدها ) هذا الحديث قد سقط من قواميس التيار الديني ولم يعد له وجود في مطبوعاتهم حتى عاث الحاكم وزبانيته وأقرباؤه في الأرض فساداً وأكلوا الأخضر واليابس ولم يبقوا حتى الفتات لبقية الشعب، أما المأخذ الثاني على هذا التيار فهو تسلطهم على الحريات المدنية لأي مواطن أو مقيم دون مسوغ أو سبب منطقي أو قانون يحكم مثل هذه العلاقة فلا حدود فما يمكن أن يصادرونه من الحريات الشخصية ولأتفه الأسباب وبالتالي ولا حدود للحرية الفردية التي دافع عنها المجتمع في الجزيرة العربية منذ تأسيس ممالكه ودوله.
في الناحية الأخرى من القراءة ، تجد الدولة أن التيار الليبرالي بكل ما يمتلكه من إمكانيات صحافية ومثقفين وتأثير في المجتمع إلا أنه يطالب الشعب بالنضج الفكري ويختزل هذا النضج بسفور المرأة والحريات المدنية الجنسية ومقاومة التشريعات الدينية في النظام المالي والتجاري والأحوال المدنية ولكنهم في بعض الأحيان وعن طريق بعض الكتاب الصحافيين المتزمتين لليبرالية يحاولون طرق أبواب الإفتاء والتحليل الديني للنصوص القرآنية والأحاديث وتأويلها لما يخدم الفكرة المطروحة.
الشارع السعودي قد كون لنفسه الأفكار الخاصة به والتي تضمن ديمقراطية ليست من ذلك النوع الذي تريده أمريكا ، إنه نوع خاص من الديموقراطية يفصل بين الحرية الدينية والمدنية ويرد النزاعات والخلافات إلى محاكم مختصة منها الديني ومنها المدني بحسب الحالة ، هذه الديموقراطية تتطلب استحداث انتخابات لمجلس يسن القوانين والتشريعات مع بقاء الملك رئيساً للسلطات الثلاث واستحداث منصب تنفيذي (رئيس وزراء) يكون من خارج منظومة حرامية آل سعود.