نكبــة .. نكســة .. نصــر .. ضحك على الذقــون
من قلم : ماهر ذكي
عندما اصدر وزير خارجية بريطانيا ( أرثر بلفور ) وعده لـ ( ليونيل والتر روتشيلد الثاني ) في الثاني من نوفمبر /تشرين الثاني من العام ألف و تسعمائة و سبعة عشر بقيام دولة لليهود .. كان كل العرب وقتها يعلمون بذلك الوعد .. و مع ذلك لم يفكر أحد بأن هذا الوعد ممكن أن يتحقق في أرض عربية إسمها فلسطين .. علماً بأن بلفور حدد فلسطين بالإسم في رسالته التي أرسلها للورد روتشيلد .. ماذا فعلوا؟. و لو تركنا وعد بلفور .. و دخلنا في أواخر العام سبعة و أربعون و بالتحديد في التاسع و العشرون من نوفمبر/ تشرين الثاني .. نجد قرار تقسيم فلسطين قد صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة .. ماذا فعل العرب بعد هذا القرار .. لم يفعلوا شيئاً .. و لم يأتي ما يعرف بجيش الإنقاذ الذي قاده فوزي القاوقجي بأي ثمار .. و لم يفعل العرب أكثر مما فعلوه سابقاً مع وعد بلفور .
و إذا تركنا قرار التقسيم لنصل إلى حرب العام ثمانية و أربعون – ما يُعرف بالنكبة - .. ماذا فعل فيها العرب أكثر مما فعلوه من قبل مع وعد بلفور و قرار تقسيم فلسطين بل و قيام دولة الصهاينة في عصر الرابع عشر من مايو/ايار عام ثمانية و أربعون .. لا شئ أللهم العويل و البكاء و الندم .. و الإستسلام .
و لو تركنا حرب ثمانية و أربعون التي مُني فيها العرب بأكبر هزيمة في تاريخهم نتيجة لخيانات العرب أنفسهم بعضهم لبعض .. بالرغم من الإنتصارات التي تحققت للعرب في البداية في معارك ( باب الواد – اللطرون – جنين ) و ما حققته القوات النظامية اللبنانية في قريتي المالكية و قدس في الجليل الأعلى .. و لكن في النهاية و بعد أقل من شهرين إنهارت كل الإنتصارات .. و لنقول أن العرب عاشوا مايقرب من العشرين عام حتى مُنيوا بالضربة التالية في العام سبعة وستون – ما يعُرف بالنكسة - .. خلال العشرون عام تلك ماذا قدم العرب من أجل فلسطين ؟ بل السؤال الأهم .. ماذا كان يملك العرب حتى يقدموه لفلسطين .. لا شئ .. و الكلام هنا ليس عن الحكومات فقط .. بل نقول الحكومات و الشعوب على حد سواء .. و أرجو ألا يغضب مني أحد إذا تساءلت عما قدمه الفلسطينيين أنفسهم لفلسطين في الفترة مابين النكبة و النكسة ؟؟ أرجو من كل من قدم شئ لفلسطين أرضاً أو شعباً سواء كان من داخلها او من خارجها أن يخرج لنا و يعلن عما قدمه .. صحيح أن هناك شهداء بالألاف قاموا بعمليات فردية .. لكنني دوماً ما أعادل الفعل بنتيجته .. أي انني من حقي أن أقوم بتفجير جسدي في وسط مجموعة من أفراد الإحتلال .. لكن لا اموت وحدي .. لأنني لو مت وحدي تكون العملية فشلت .. ولا يعقل أن ألقي بصاروخ على العدو فيصيب شخص بجروح طفيفة و تكون ردة فعله - التي أعلمها مسبقاً - أن يهاجمني العدو بهجمة يقتل فيها على الأقل عشرة أشخاص غير الخراب و الدمار المصاحب للعملية .. أي ان مفهومي الشخصي للفعل يقاس بنتيجة الفعل و ليس الفعل نفسه .. فلننظر لما قدمه العرب على مدى عشرون عام – ما بين النكبة و النكسة – لنقوم بعملية تقييم حقيقية لردة فعل العرب التي بناها كل منهم على النكسة .. إن العرب لم يقدموا شئ لفلسطين .. لا شئ غير المتاجرة بالقضية و تحقيق مكاسب خاصة على حساب الشعب الفلسطيني .. كل العرب بدون إستثناء .. ومن ذلك .. ألا أكون منصفاً إن أدعيت بأن كل العرب ساهموا بشكل أو بأخر في التكريس لدعم دولة الصهاينة ؟
إن دعم الصهاينة و إن لم يكن مباشراً من خلال الخيانات و العلاقات الخاصة مع كيان الإحتلال .. فإنه يتجلى أكثر وضوحاً في إضعاف الذات العربية نفسها من قبل الحكام العرب .. وإلباس المواطن العربي ثوب اليأس و الخضوع و التسليم للأمر الواقع من جهة .. و قبول الشعوب لهذا الإضعاف وهذا الثوب الرث من جهة أخرى .. و لعل ما نحن فيه اليوم ماهو إلا حصاد لزرع قد غرسه السابقون منذ نصف أكثر قرن .
و بإستعراض سريع لحالة كافة العرب في تلك الفترة – مابين النكبة والنكسة – تجد جميع البلاد العربية و التي نالت إستقلالها في تلك الحقبة مشغولة في تسوية حساباتها الداخلية .. هناك صراع في مصر بين عبد الناصر و الإخوان المسلمين .. وفي سورية و العراق حرب ضروس على سرقة الحكم تارة من البعثيين و تارة من الشيوعيين .. أما الأردن .. ما أدراك ما الأردن .. و في الخليج العربي حرب أخرى داخلية لتثبيت دعائم الولايات و الإمارات و الممالك و السلطنات .. و في المغرب العربي حروب من نوع أخر بين الإستقلاليين من جهة و الفرنسيين المغاربيين من جهة أخرى .. و منها ما كان نتيجته ثورات باطلة لاحد لها مثل ثورة الفاتح و القافل و غيرها .. أي ان كل البلدان العربية شعوباً و حكومات إنشغلت بأمورها الداخلية عن قضية العرب الرئيسية التي هي فلسطين .. و لكن مايثير إشمئزاز قارئ هذا التاريخ أنه سيجد ان كل الحكام العرب الذين تعاقبوا على سرقة كراسي الحكم سواء من أعدائهم أو من ذويهم .. كلهم تاجر بفلسطين في مكبرات الصوت في خطبه الزائفة لتضليل البسطاء و الضحك على ذقون العامة .. أتحدى من يرجع لأرشيف خـُطب جميع الحكام العرب في تلك الحقبة و لايجد جزء من كل خطبة تـُستخدم فيه فلسطين كأداة لترويج سياسات الحاكم .. و ماذا فعل كل منهم لفلسطين ؟؟.
ووقعت النكسة في الخامس من يونيه/حزيران من العام سبعة و ستون .. وقعت النكسة لأخطاء فنية لا يعلمها العرب حتى الأن .. رغم أنه و بقدرة قادر قد تحول كل العرب بعدها لمنظرين و فلاسفة و قاموا بتحليل النكسة تحليلات لا ترقى لمستوى مختبر تحاليل – بول - لا توجد به أية أجهزة إختبار .. حتى شهود العصر أنفسهم لم يرتقوا بتحليلاتهم عن إنتماءاتهم الشخصية في عرض الأسباب الفنية لتلك النكسة .. بل إنقسموا جميعاً إلى ثلاث فرق .
فريق يجد في النكسة أقوى الأسباب للإنتقام من عبد الناصر في شخصه .. و فريق يعتبرها خسارة جولة و أن الحرب لم تنتهي بعد و أن عبد الناصر هو أبو الرجال و سيقوم بتعديل النتيجة في الشوط الثاني .. و الفريق الثالث إرتدى ثوب اليأس و فقد الثقة في كل شئ و صار هائماً على وجهه و ناقماً على كل شئ .
و في طيات هذا التقسيم بلغت فلسطين أقصى درجات الضياع ... و اسرع الصهاينة في تعدد محاولاتهم في طمس هوية فلسطين .. و إحلالها بعناصر بديلة أُخذت كاملة من الغرب .
و مرت السنوات وجاء نصر أكتوبر في العام ثلاثة و سبعون ظناً من السادات أن إحراز أي تقدم لحساب مصر على أرض الواقع سيمنحه العصا السحرية في فرض الخريطة الجديدة على الصهاينة .. و بدلاً من أن يلتف العرب حول السادات و يشعروه بأنهم معه قلباً وقالباً .. و بدلاً من أن يفكروا في تعويض المصريين عن سبعة سنوات من الحرب خاضها المصريون دفاعاً عن مصر و عن العروبة .. بدأ الحكام العرب في الإبتعاد عن السادات يوماً بعد يوم .. بل بدأوا يتطاولون عليه و يصفونه بالخائن الذي خدع سورية و تسبب في ضياع الجولان .. و كأن السادات كان مسؤولاً عن عودة سيناء و الجولان معاً .. و كأن سوريا ليس بها شعباً ولا جيشاً يوصَف حتى الأن بجيش المقاومة و الصمود ... و لا أعرف هذا الجيش قاوم مَن أو صمد أمام مَن .
المهم .. لم يجد السادات بُد من أن يستكمل مشواره كما يراه هو .. و وصل بنفسه لمقر الكنيست الصهيوني ليعلن رغبته في السلام .. وقتها إنكشف كل الحكام العرب .. و تأكدوا جميعاً بأن مصر لن تدخل مضمار السباق تحت ضغط الشعارات و الكلام الكبير الذي لا يودي ولا يجيب ( طق الحنك ) .. وبدلاً من أن يقرأوا التاريخ منذ وعد بلفور و حتى زيارة السادات للكنيست .. توغلوا في جهلهم و في إمعانهم للنيل من شخص السادات .. و لم يخرج منهم على الأقل شخص واحد يؤمن بأن الله خلق لنا شئ إسمه عقل .. و قام بتحليل الموقف بشكل منطقي و علمي .. و أوجد للسادات أسبابه .. و تحرك و جمع باقي الحكام على موقف عقلاني يكون عوضاً للسادات و مصر عن إتفاقية سلام مع الصهاينة .. لم يفعلها أي واحد منهم .. بل تطاولوا عليه في إعلامهم .. و أغلقوا مقر الجامعة العربية في مصر .. و وجد كل حاكم عربي في السادات الشماعة التي يعلق عليها فشله في فعل أي شئ لفلسطين .. و قاطعت كل ( المزارع ) المسماة بالدول العربية قاطعت مصر .. و أصر السادات على أن يكمل مشواره و اكمله كما رآه هو .. أو بالأحرى كما فرضته عليه الظروف ( رغم تحفظي الشديد على طريقة أداء السادات لمشواره ).
.
.
.
.
.