منتديات اخبار مكتوب



  #1 (permalink)  
قديم 06-16-2008, 04:22 PM
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
مشاركة: 195
Lightbulb لا لتأبيد احتلال العراق

أتت لحظة الحقيقة في العراق، وصارت بغداد بين واحد من مصيرين لا ثالث لهما، فاما أن تقع ـ لا قدر الله ـ فريسة لاحتلال أمريكي أبدي الطابع، أو أن تكون غلظة الاتفاقية الأمنية المطروحة سببا في حشد جهد عراقي عام وراء المقاومة المسلحة وحدها.
في السنوات الخمس التي مضت علي غزو العراق، كانت فرص المناورة واردة، وتقاطع وتداخل الاتجاهات مرئيا، كان لأنصار المقاومة المسلحة منطقهم الحازم، وهو أن ما سلب بالقوة لا يسترد بغيرها، وأن المقاومة بالسلاح وحدها كفيلة بهزيمة الاحتلال الأمريكي، وكان لخط المقاومة المسلحة انجازاته العبقرية التي لا تنكر، فقد نجح في شل المقدرة الأمريكية علي تحقيق الهدف، فلم تتمكن واشنطن ـ الي الآن ـ من تحقيق هدفها في الاستيلاء علي بترول العراق، وبالمقابل انزلقت أمريكا الي خسائر فادحة بالمال وبالدم، وفقدت من جنودها ما قد يصل الي خمسين ألف قتيل وجريح ومجنون، ونزفت من المال ما يزيد علي 500 مليار دولار، دون أن تصل الي تثبيت قواعد الاحتلال، ولا النجاة من غوائل الأرض المحروقة، اللهم الا وراء أسوار المنطقة الخضراء.
وباختصار: فقدت أمريكا المقدرة علي تحقيق نصر حاسم، وصارت أدني الي هزيمة مستحقة، ووجدت نفسها تغوص أكثر في المستنقع العراقي، وتزيد من حجم قواتها وانفاقها بلا حدود، ووسط تذمر متزايد من الشعب الأمريكي، الذي لا يري من القصة كلها غير الدم السيال والنعوش الطائرة ونزيف الأموال المستقطعة من دافعي الضرائب.
وبانتظار نهاية الوقت الممنوح للقوات متعددة الجنسيات ـ قوات الاحتلال ـ من الأمم المتحدة مع أواخر العام الجاري، تدور عجلة العد العكسي، وتتضاءل فرص لعبة ارتداء الأقنعة، فقد كان يمكن لعملاء أمريكا في العراق ـ وغيرهم ـ أن يدعوا وصلا بليلي وبهدف التحرير، وكان بعضهم يتحدث عن وجود مؤقت لقوات الاحتلال، وريثما تتم عملية بناء الجيش العراقي، وتمكينه من أداء المهام الأمنية، وعندها ـ كما زعموا ـ يمكن اجلاء القوات الأمريكية والأجنبية، وكان يمكن لبعض هؤلاء أن يدعوا بأفضلية المقاومة السياسية، وعدم التعجل بصدام الي أن يفرجها الله! ولقي هذا المنطق المناور ـ علي عواره ـ دعم عدد من مراجع السنة والشيعة، آية الله السيستاني مثلا ـ وهو أكبر مراجع شيعة العراق ـ كان يعطف علي ادعاء المقاومة السياسية، وحزب الاخوان المسلمين في العراق (الحزب الاسلامي) دعم المنطق ذاته علي اختلاف الهوي، وشارك في ما سمي بالعملية السياسية، وتحت ستار كثيف من دخان ادعاء التعقل، وفي لحظة الحسم بانت المواقف علي حقيقتها، وأبدي الحزب الاسلامي تأييده للاتفاقية الأمنية المطروحة، وسقطت أوراق التوت عن العورات المكشوفة.
ودعك من التسميات المطروحة علي اختلاف ألفاظها، فلا فرق أن يسمي الاتفاق الذي تفرضه واشنطن بالاتفاقية الأمنية، أو باعلان المبادئ، فظاهر الحال ـ وباطنه ـ أن المطلوب تكريس السيادة الأمريكية في العراق، وعلي حساب سيادة العراق التي لا وجود لها أصلا، اللهم الا في حكومة دمي أو برلمان علي سبيل استكمال الديكور، فالاتفاقية تفرض دوام ما كان يتصور أنه موقوت، وتبقي القوات الأمريكية في نقاط ارتكاز أو قواعد قد يصل عددها الي خمسين كما قال تقرير الاندبندنت البريطانية، ولا يهم الرقم، وسواء أكان أربع عشرة أو أربعين قاعدة كما قالت مصادر أخري للتخفيف، فان النتيجة واحدة، واختلاف الأرقام موصول فقط باعتبارات لوجستية محضة، ولا يخل بتعميم قواعد الارتكاز في جغرافيا العراق جميعها.
ثم أن هذه القوات ـ في كل حال ـ تظل طليقة الحركة، وأعمالها في الاعتقال والقتل محصنة من أي سؤال أو مؤاخذة، وكذا أعمال الشركات الأمنية الرديفة لقوات الاحتلال من نوع بلاك ووتر ، وليست موقوفة في عملها وتحركها علي اذن من الحكومة العراقية، فوق أن أجواء العراق جميعا تظل مفتوحة مستباحة للطيران العسكري الأمريكي، وموضع تحكم شامل، وكذا منافذ البحر والطرق البرية، أي أن المعادلة ستظل كما هي الآن، حكومة بلباس عراقي تحتمي بالجيش الأمريكي، وتستهدي بأوامره، وانتخابات واستفتاءات عبثية، وتكريس لانفصال الشمال الكردي، ودفع قيادات الأكراد ـ الأكثر ولاء للأمريكيين ـ الي مراكز التحكم في حكومة مركزية تظل من ورق.
وصيغة كهذه لا تعني الانتقال من احتلال الي وصاية كما يقال، بل تعني انتقالا من احتلال موقوت الي احتلال مؤبد، والمريب أن البعض يقيس ما يتوقع في العراق ـ مع الاتفاقية ـ علي ما جري في اليابان، ودون وعي باختلاف الظروف كليا، فقد كانت اليابان في وضع المحارب لأمريكا حتي صدمة بيرل هاربور ، ولم يكن ذلك وضع العراق، ثم ان اليابان استسلمت بأمر امبراطورها المقدس، وأعلنت هزيمتها بعد رعب الاكتساح الذري في هيروشيما وناغازاكي، ولم يحدث ذلك في العراق، بل حدث العكس في سيرة صدام حسين الذي أعدم علي حبل مشنقة، ودون أن يعترف بهزيمة.
وفي اليابان جري فرض دستور ماك آرثر كما فرض دستور بول بريمر علي حكومات الدمي، وليس علي العراق الذي ظل يقاوم، ثم انه ليس في اليابان موارد طبيعية تتطلع أمريكا الي نهبها كما بترول العراق، وظلت القواعد الأمريكية في اليابان معزولة بالجغرافيا ناحية أوكيناوا ، ودون أدني تدخل في تفاعلات الداخل الياباني، ولمجرد استخدامها في ترتيبات استراتيجية ضد الاتحاد السوفييتي سابقا أو ضد الصين حاليا، اذن فالقياس علي اليابان يبدو فاسدا بالجملة، أضف الي ذلك اختلاف العراق جغرافيا وتاريخيا، فالعراق جزء من محيط عربي اسلامي زاخر بمشاعر العداء للأمريكيين، وليس معزولا كجزر اليابان علي هامش القارة الآسيوية، والمحصلة ـ فوق القياس الفاسد ـ أن ما جري في اليابان غير قابل للتكرار في العراق، وأن طبيعة الصراع هنا حدية وليست نسبية كما في الشرق الآسيوي.
وربما لذلك يبدو الاستقطاب ـ بمناسبة الاتفاقية الأمنية ـ علي أشده، ولا تبدو من فرصة مضافة لاتصال المراوغة، فلم يعد من معني ـ أو غطاء ـ لدعوي المشاركة في عملية سياسية منزوعة السيادة كليا، والجديد: أن نزع السيادة ـ مع الاتفاقية ـ صار أبديا، وهو ما يعني أن ما يسمي العملية السياسية ـ بالتعبيرات العراقية الجارية ـ ليس سوي دعوة للنوم السياسي تحت أحذية عسكر الاحتلال، بينما صار للمقاومة السياسية معني وحيد منفصل عن أوهام العملية السياسية اياها، وأقرب الي دعم المقاومة المسلحة، فالاتفاقية ـ علي عوارها الظاهر ـ توفر فرصة نادرة لتأليف وطنية عراقية جديدة جامعة، بيانات الرفض الأولي حملت تواقيع أسماء بارزة من كل طوائف وقوميات وجهات العراق، وانشقاقات الشيعة ظاهرة خصوصا مع رفض أبداه المركز الايراني، الجعفري ـ رئيس الحكومة السابقة ـ انشق عن حزب الدعوة الذي يجمعه مع نوري المالكي، وأسس ما يسمي تيار الاصلاح ، وعلي قاعدة المعارضة لترتيبات الاتفاقية الأمنية، وتيار الصدريين يحصل علي دعم أكبر من طهران، ويبدو ـ بقاعدته الشعبية الواسعة ـ في موقف المعارضة المؤثرة، وحزب البعث وحلفاؤه في موقف الرفض بالطبيعة، وجبهة علماء المسلمين في الموقف ذاته، ربما الفرق في التفاوت علي تقدير حجم الخطر الايراني، فالجماعات ذات المنشأ الشيعي تبدو أقل حساسية تجاه ايران، أو ميالة للتحالف معها، بينما الجماعات ذات المنشأ أو الثقل السني ـ علماء المسلمين وحزب البعث الي حد ما ـ ضد التغول الايراني في العراق، لكنها تختلف عن جماعات السنة الحليفة للاحتلال في نقطة فارقة، وهي تحديد العدو الأولي بالمواجهة الآن، فثمة من يروج في أوساط السنة لضرورة الاحتماء بالأمريكيين من الخطر الايراني، والمقاومون في موقف مختلف، فهم يعطون الأولوية لمواجهة الاحتلال الأمريكي، وقد سمعت من الشيخ الجليل حارث الضاري ـ في لقاء مباشر ـ تعبيرا موحيا بنكهة عراقية فواحة، فقد شبه الوضع الاحتلالي الحاضر للعراق بنخلة حطت عليها طيور الشؤم، وهو يري في النفوذ الايراني طيرا أسود حط علي نخلة الاحتلال الأمريكي، وأن الأولوية لقطع واقتلاع النخلة ومن جذورها، والتشبيه في بلاغته وايجازه يغني عن مزيد من الشروح.
باختصار: ثمة فرصة لجمع المقاومة بالسلاح الي المقاومة بالسياسة في حركة تحرر وطني عراقي جامعة، وعلي قاعدة الرفض المطلق لاتفاقية تأبيد الاحتلال الأمريكي.


عبد الحليم قنديل
كاتب من مصر
16/06/2008

من مواضيع a-z0123456789 :
جينز» البريطانية: نشر قوات سورية شرقي لبنان تحسبا لهجوم إسرائيلي
ضرب ايران من القواعد الامريكية في العراق غير مستبعد
القرأن يحتوي شفرة
طالبان تتبع أساليب التمرد العراقية للاستيلاء على كابل
سقطت من الطابق التاسع... واكملت الحفلة

__________________

الرد على الموضوع


خيارات الموضوع
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا يمكنك إضافة موضوع جديد
لا يمكنك الرد على المواضيع
لا يمكنك إضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

كود vB متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML مغلق
Trackbacks are مغلق
Pingbacks are مغلق
Refbacks are مغلق


الساعة الآن بتوقيت مكة المكرمة. » 08:10 PM.


Powered by vBulletin Version 3.6.7
Copyright ©2000 - 2008, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO 3.1.0