"حيث يمكنك ممارسة طقوسك الدينية بحرية. إنه بلد عظيم يتيح لك كل ذلك".
يقول صديق إن الجواب كان جيدا لكن غير مقنع، مع أنه مستشار مالي في بنك استثماري كبير، فهو يخشى استعمال حجرة المراحيض على متن الطائرات لأنه لا يريد إخافة الركاب الآخرين عند سلوكه الممشى. وهو يعتقد أن المشاعر المعادية للمسلمين في البلد تتفاقم، بدلا من أن تتحسن، مضيفا: "أنا لست قلقا على نفسي، بقدر ما أنا قلق على الشبان. هم الذين علينا أن نحاول جعلهم يشعرون بأنهم جزء من أمريكا، ليس فقط بصفتنا مسلمين بل بصفتنا أمريكيين أيضا. الخطر الحقيقي يكمن في إثارة نفور الشبان المسلمين من أمريكا".
بعد نحو ست سنوات من حصول هجمات 11 سبتمبر، لايزال المسلمون في أمريكا يحققون نجاحات باهرة. وقد حذر التقدير الاستخباراتي القومي الذي نشر الأسبوع الماضي من أن أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة لايزالان يسعيان لشن هجوم داخل الولايات المتحدة. ويشير التقرير أيضا إلى تزايد التطرف بين المسلمين في الغرب. لكن خلال مؤتمر صحافي، كان المسؤولون الاستخباراتيون قلقين بشكل خاص بشأن خطر الخلايا الإرهابية المحلية داخل المجتمعات الإسلامية في أوروبا. وقالوا إن أمريكا لم تكن حتى الآن أرضا خصبة لتنامي المتطرفين الإسلاميين وانتشارهم. يقول تشارلي آلين، مدير قسم الاستخبارات في وزارة الأمن القومي: "معظم المسلمين في أمريكا يعتبرون أنفسهم أمريكيين".
في الحقيقة، يشكل المسلمون الأمريكيون الجالية المسلمة الأكثر ثراء واندماجا ومشاركة في السياسة في الدول الغربية. فوفقا لاستطلاع واسع أجراه مركز بيو للأبحاث ونشر في الربيع الماضي، فإن المسلمين في أمريكا يجنون مبالغ مالية بقدر جيرانهم غير المسلمين، ومستواهم التعليمي مماثل لهم أيضا. كما أن نسبة كبيرة جدا منهم ــ 71 بالمائة ــ توافق على أنه يمكن للمرء في أمريكا أن "يتقدم اجتماعيا إذا عمل جاهدا". أما المسلمون في فرنسا وألمانيا وإنجلترا فهم أكثر عرضة لأن يكونوا أفقر من جيرانهم بنسبة 20 بالمائة.
إن المؤامرات الإرهابية المزعومة التي كشف عنها منذ هجمات 11 سبتمبر تدل على أنه لا يمكن اعتبار هذا النجاح من المسلّمات. فغضب المسلمين الأمريكيين بشأن سياسات الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان والأراضي الفلسطينية في أوجه، وبفضل محطات إخبارية فضائية مثل الجزيرة وشبكة الإنترنت، يمكن أن ينتشر هذا الاستياء بسرعة. ومع انتشار المسلمين واستقرارهم، يزداد التوتر داخل مجتمعهم أيضا، بين الشبان والشيوخ من جهة، والمهاجرين والمولودين في أمريكا من جهة أخرى. وفي كل أنحاء البلد، يواجه المسلمون من الجيل الثاني والثالث صعوبة في أن يكونوا مسلمين وأمريكيين في الوقت نفسه، في حين أن أهلهم ينظرون إليهم بفخر ــ وبقلق مثل صديق.
يوجد في أمريكا حاليا 2.35 مليون مسلم بحسب مركز بيو، غير أن الكثير من التقديرات تشير إلى أن عددهم أكبر بكثير، و65 بالمائة منهم ولدوا في الخارج. هؤلاء المسلمون بدأوا يأتون إلى هنا بأعداد كبيرة بعد عام 1965، عندما تغير قانون الهجرة في الولايات المتحدة وبات يسمح باستقبال أعداد أكبر من المهاجرين من خارج بلدان أوروبا الغربية. وخلال العقود الأربعة الماضية، أتوا من جنوب آسيا (باكستان والهند وحديثا من بنغلادش)، ومن الوطن العربي (الأراضي الفلسطينية، ولبنان، ومصر، وإيران)، إضافة إلى أوروبا وأفريقيا. أتوا لتحصيل العلم والتقدم الاجتماعي، لكن أيضا ليكونوا مع عائلاتهم وهربا من الحرب والاضطهاد في بلدانهم الأم، كما هي حال الـ35000 صومالي الذين بدأوا يتوافدون في تسعينات القرن الماضي. لاتزال جاذبية الحلم الأمريكي قوية. وكما يقول كيث إليسون، الديموقراطي من منيسوتا، وهو أول عضو مسلم في الكونغرس، فإن "الولايات المتحدة مبنية على الفكرة القائلة إن ما يربط بيننا جميعا هو مجموعة من الأفكار وليس مجموعة من الخلفيات التاريخية. بالرغم من كل انتقاداتنا، فإن فكرة أمريكا مدهشة ــ مجتمع مبني حول مجموعة من المبادئ بدلا من الهوية العرقية أو الثقافية".
معظم المسلمين المولودين هنا هم أمريكيون من أصول أفريقية اهتدوا إلى الإسلام، أو متحدرون من مهتدين إلى الإسلام. لكن عددا متزايدا منهم هم من أولاد المهاجرين، وهذه المجموعة صغيرة في السن» وتتراوح أعمار نصفها بين 18 و29 عاما. في هذه البوتقة، ما من مجموعة أكبر أو أكثر نفوذا بكثير من أي مجموعة أخرى، إنها، كما يحلو للمسلمين الأمريكيين القول، المجموعة الأكثر تنوعا من المسلمين في أي مكان، باستثناء مكة خلال موسم الحج السنوي.
هذا التنوع الكبير والثراء النسبي يميزان المجتمع الإسلامي هنا إلى حد كبير عن المجتمع الإسلامي في أوروبا، التي هاجر إليها المسلمون قبل أربعة أجيال ليعمل معظمهم في المصانع أو ليكونوا عمالا باليومية. تقول المغنية الهولندية الاستفزازية رجاء المهندس، التي أتى والداها من شمال أفريقيا: "تم استخدام المغاربة والأتراك لأنهم كانوا أميين وبسبب سواعدهم القوية وأسنانهم المتينة". عندما تضاءلت الأعمال في المصانع، ظل مسلمو أوروبا يعيشون في أحياء فقيرة ذات طابع عرقي، معزولين عن المجتمع الأوسع نطاقا ــ وهو مجتمع معظمه من البيض ومتجانس ويصعب الاندماج فيه. وفي معظم البلدان الأوروبية، يفوق معدل البطالة بين المسلمين المعدل العام بنسبة تتراوح بين 15 و40 بالمائة.
والأمر اللافت أن إحدى أبرز الحالات في أمريكا ــ الشبان من شمال ولاية نيويورك، الذين لقبوا باسم "شبان لاكاوانا الستة"، والذين اعتقلوا عام 2002 واعترفوا بأنهم مذنبون بتهمة التدرب عسكريا مع تنظيم القاعدة في أفغانستان ــ نشأوا في بيئة مشابهة نوعا ما لتلك الموجودة في أوروبا. لقد هاجر اليمنيون إلى لاكاوانا في ثلاثينات القرن الماضي للعمل في مصانع الفولاذ. وقد زالت هذه الوظائف، لكن الجالية اليمنية، التي أصبحت الآن أمريكية بالكامل، تنامت وبقيت، وظل شبانها يعانون إدمان المخدرات وآفة الإجرام والبطالة. فـ 35 بالمائة تقريبا من سكان الأحياء اليمنية من لاكاوانا يعيشون تحت خط الفقر.
إحدى المنافع المهمة لكن الأقل وضوحا بالنسبة إلى المسلمين الأمريكيين هو تدين الشعب الأمريكي. حتى لو كان الأمريكيون ينظرون إلى الممارسات الدينية الأخرى بارتياب، فهم يحترمونها بشكل عام. ففي استطلاع أجرته نيوزويك، قال 69 بالمائة من الأمريكيين إنه يجب السماح للنساء المسلمات الأمريكيات بوضع الحجاب في المدارس والجامعات. (رئيس الوزراء المتدين في تركيا، وهو بلد مسلم له تاريخ من النضال العلماني، أرسل بناته إلى الجامعات الأمريكية كي لا يجبرن على خلع الحجاب). يقول إيبو باتيل، مؤسس تجمع الشباب المتعدد الأديان في شيكاغو: "عندما أقول لمسيحي إنجيلي: «حان وقت الصلاة»، قد لا تروقه طريقة صلاتي لكنه يفهم أهمية الصلاة. عندما كنت أعيش في إنجلترا" ـــ عاش فيها باتيل من عام 1998 حتى عام 2001 ـــ "وكنت أقول: «حان وقت الصلاة»، كان الناس ينظرون إلي وكأنني من كوكب آخر".
ليس من المبالغ فيه القول إن المجتمع الإسلامي الأمريكي كان غير ملحوظ بشكل عام في 10 سبتمبر 2001، المسلمون الوحيدون الذين كان الناس هنا يعرفون أسماءهم هم مالكوم أكس ولويس فرخان ومحمد علي. ولم يكن الأمريكي العادي يأبه إذا كان طبيبه أو محاسبه مسلما.
لقد كان المجتمع الإسلامي مسؤولا إلى حد ما عن هذه العزلة، على غرار المهاجرين الإيطاليين والإيرلنديين واليهود الذين أتوا قبلهم، تجمع الكثيرون منهم في مجتمعات ضيقة ذات طابع عرقي. وقد سعوا للاندماج، لكن بهدوء. فطوال عقود، كان مركز نيوإنجلاند الإسلامي في كوينسي بولاية مساشوسيتس موطن مجموعة متنامية من المهاجرين اللبنانيين الذين أتوا إلى أمريكا للعمل في صناعة السفن. كان مكانا أليفا، يجتمع فيه الناس من خلفيات مماثلة للصلاة والدردشة. الإمام، وهو لبناني يدعى طلال عيد، كان الشخص المثالي لتولي هذا المقام ــ فقد فهم قيم أعضاء المجتمع وشاركهم اهتمامهم في أن يصبحوا أمريكيين. يقول عن المصلين في مسجده في تلك الفترة: "هناك نساء يضعن الحجاب ونساء مسلمات لا يضعن الحجاب. لست هنا لأحكم أي منهن صالحات وأي منهن سيئات. أنا هنا لأخدم الجميع بالتساوي". (لكن في العقد الماضي تغيرت جماعة المصلين لديه مع وصول مهاجرين جدد من الجزائر والمغرب ومصر وباكستان» وأبعد عيد عام 2005 ليحل مكانه إمام أكثر محافظة).
وقد تلاشى السلام النسبي الناتج عن عزلتهم بعد هجمات 11 سبتمبر. عندما أصبح الناس يخشون المسلمين، "أجبًر الذين لم يروا أنفسهم يوما كمسلمين على أن يعتبروا أنفسهم مسلمين"، كما يقول مظفر شيشتي، مدير معهد سياسة الهجرة في كلية القانون بجامعة نيويورك. الشابات اللواتي لم يضعن الحجاب الإسلامي التقليدي من قبل ـــ واللواتي كانت أمهاتهن يعتبرنه رمزا للتخلف الذي خلفنه وراءهن في بلدانهن الأم ـــ بدأن يرتدينه. وفقا لدراسة أجرتها جامعة هاملتون عام 2002، فإن أكثر من ثلث النساء المسلمات الأمريكيات أصبحن يضعن الحجاب كل يوم.
أول شيء فعله راضي محيي الدين وزوجته تحسين، بعد 11 سبتمبر، كان عقد اجتماع مفتوح للمجتمع الأوسع نطاقا في مسجدهما، رابطة المجتمع الإسلامي في وادي السيليكون. وقد حضر الاجتماع أكثر من 1000 شخص غير مسلم. وثاني أمر فعلاه كان إخراج أولادهما من مدرستهم النخبوية الخاصة وتسجيلهم في مدرسة المسجد. قبل الهجمات، كان آل محيي الدين يعيشون حياة نشيطة كأي أصحاب مهن ناجحين: كان راضي يطلق شركات جديدة، وكانت تحسين معلمة في روضة أطفال. وكان تدينهما، الذي يشكل أساس حياتهما العائلية، أمرا خاصا.
بعد الهجمات، "تغيرت مسؤولياتنا"، كما يقول محيي الدين الذي هاجر من الهند عندما كان في الـ17 من عمره. "أجبر الأمر الناس على التساؤل: «ما هو موقفي؟ إما أن أتخلى عن عقيدتي أو أكثف جهودي للدفاع عن العقيدة، التي تتعرض للهجوم»". شعر بأن أولاده بحاجة إلى أن يعرفوا أنهم مسلمون ويفتخروا بذلك. وبالنظر إلى الماضي، تبين لمحيي الدين لاحقا أن قراره كان صائبا» الأولاد أصبحوا مراهقين الآن، ومحيي الدين سعيد لأنهم اكتسبوا معرفة معمقة بشأن ضبط النفس المطلوب من كل مسلم متدين.