لمكافحة التمييز العنصري الذي كان الكثير من المسلمين الأمريكيين يشعرون به، لجأ الكثير منهم بطريقة أمريكية محضة، إلى القضاء. وقد أحصى مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية، وهو مجموعة تدافع عن الحقوق المدنية، نحو 2500 شكوى مدنية رفعها مسلمون أمريكيون عام 2006، وهو عدد يفوق بكثير الشكاوى المرفوعة في السنة السابقة. هذه هي القصص التي تلقى اهتماما إعلاميا ـــ نساء يرفعن دعاوى دفاعا عن حقهن في وضع الحجاب في صورهن على رخص القيادة ـــ والمسلمون الأمريكيون يقولون إن ذلك يظهر مدى اندماجهم في النظام الأمريكي. وهذا مهم: فالتاريخ يظهر أن المجتمعات المدنية المزدهرة تميل إلى الاعتدال الديني. قناعاتها الدينية تبقى قوية وحقيقية بالقدر نفسه، لكن من غير المرجح أن تغذي التطرف الذي قد يؤدي إلى العنف. إن الأئمة الستة الذين أنزلوا من طائرة لشركة "يو أس إيرويز" بعدما صلوا علنا في قاعة انتظار بأحد مطارات منيابوليس الخريف الماضي رفعوا دعوى قضائية على شركة الطيران ومجلس المطار لانتهاكهما حقوقهم المدنية. يقول ديدمار فاجا، أحد أولئك الأئمة: "أنا أؤمن بالعدالة في الولايات المتحدة، وهذا سبب رفعنا الدعوى القضائية".
بالنسبة إلى المسلمين الأصغر سنا، فإن تركيز العالم عليهم يعني أن من واجبهم مواجهة هويتهم المزدوجة كما يسمونها بطريقة واعية جدا. وقد دفعهم ذلك إلى اعتناق ديانتهم بشكل علني، ولكن بطريقة تتماشى مع تنوع المجتمع. بحسب مركز بيو، فإن 60 بالمائة من المسلمين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاما يعتبرون أنفسهم "مسلمين أولا"، مقارنة بـ40 بالمائة من المسلمين الذين تجاوزوا الـ 30 من عمرهم، وهم أكثر ميلا من أهلهم إلى ارتياد المسجد أسبوعيا. وفي الوقت نفسه، يميلون إلى عدم التمييز العنصري والعرقي، ويتغاضون عن التقاليد الإسلامية المتعلقة بدور كل من الجنسين باعتبارها من مخلفات الماضي. سكينة الأمين، وهي طالبة في جامعة مشيغان في آن آربور وناشطة في جمعية الطلاب المسلمين هناك، تقول إن "الأهل يكونون أحيانا منغمسين في الثقافة أكثر مما يجب، ما يحتم على الولد إيجاد مخرج منها". عندما يعترض أحد الوالدين مثلا على زواج مختلط عرقيا، تقول الأمين إن الأولاد قد يجادلون بأن الإسلام لا يمنع زواجا كهذا. إيديل جمعة فرح، وهي طالبة صومالية في الـ21 من العمر في جامعة منيسوتا، هي خير مثال على ذلك. لقد تزوجت حديثا من رجل أبيض مهتد إلى الإسلام من بوسطن، بالرغم من اعتراض والدتها في البداية. تقول: "لا أظن أن الثقافة مهمة جدا. أظن أن الدين هو المهم".
المسألة التي تحتل الأولوية في أوساط المفكرين المسلمين هي التوصل إلى طرق لتلبية حاجات هؤلاء الشبان، لكن الواقع لا يدعو إلى التفاؤل. إن عدد رجال الدين المسلمين الذين نشأوا في أمريكا قليل اليوم ــ والمؤسسات التي تعنى بتدريبهم قليلة جدا ــ لدرجة أن الصلاة في معظم المساجد غالبا ما تكون بقيادة إمام وصل حديثا من لبنان مثلا أو السعودية، شخص لا روابط لديه بأمريكا ولا يألف ثقافتها. يقول ماهر حتحوت، وهو طبيب قلب مولود في مصر وكبير مستشاري المجلس الإسلامي للعلاقات العامة في لوس انجلوس: "ما من رابط يجمع [الأئمة المولودين في الخارج] مع جيلنا الجديد. حتى لو أتيت بأفضل علامة في الديانة الإسلامية ولم يكن قادرا على التواصل مع ابني أو حفيدي، فلن يجدي الأمر نفعا. هذا عكس ما نريده".
المسألة الأكثر إثارة للقلق تتعلق بالرسالة التي ينشرها أولئك الأئمة المولودون في الخارج. فبحسب تقديرات غير رسمية قام بها محققون حكوميون، فإن 50 بالمائة على الأقل من المساجد الأمريكية ربما تتلقى بعض التمويل من حكومات أو مؤسسات أجنبية، لا سيما من السعودية. الخطر بديهي: إذا كانت السعودية تصدّر الوهابية الإسلامية إلى بلادنا من خلال الأئمة والمنشورات والقرآن والأبنية، فكم سيمر من الوقت قبل أن تؤثر نسخة منحرفة من هذه الإيديولوجية المتشددة على مجموعة من المراهقين الضعفاء؟ الروابط بين التأثير السعودي وبعض المؤامرات الإرهابية المشتبه فيها التي تم التخطيط لها هنا بعد 11 سبتمبر غير مؤكدة حتى الآن، بحسب السجلات الرسمية. لكن حتحوت يعتبر هذه الهبات خطرة لدرجة أن قوانين مسجده تحظرها. ويقول إن الأموال الأجنبية "تطرح مشكلة عويصة لدرجة الخطورة. إنها تخلق نوعا من التبعية".
ومهما كان مصدر الإيديولوجية الإسلامية الأصولية، فإنه يمكن الاطلاع عليها بسهولة على الإنترنت وفي المساجد الأمريكية. في مسجد الصفاة، الذي خدم مجتمعا مختلطا من المسلمين الأفغانيين والمصريين والصوماليين والفلسطينيين طوال أكثر من 20 عاما في أحد أحياء ترنتون الفقيرة بولاية نيوجيرزي، غيّر الإمام المسؤول تعاليمه الإيديولوجية فجأة ومن دون سبب واضح قبل بضع سنوات. وفي حين أن الناس كانوا يصلون معا بشكل جماعي وبنوع من الارتياح، بدأ الإمام صابر عبد الحكيم بتطبيق معايير متشددة على الصلاة والعبادة. السنة الماضية، أقفل مدرسة المسجد بحجة أنها لم تكن إسلامية بما يكفي، كما يقول المصلون. وبدأ يدعو إلى اعتناق الإيديولوجية السلفية مستشهدا بطهارة المسلمين الأوائل ومستهجنا أي انحراف عنها. وبطريقة أمريكية محضة، عمدت مجموعة من مناهضي حكيم إلى مقاضاته، مطالبة بتنحيته ومؤيديه من مجلس الإدارة، وبأن يسلموا دفاتر المحاسبة وسجلات المسجد، وبأن تجرى انتخابات لاختيار مجلس أمناء جديد. القضية تخضع للوساطة حاليا» وقد رفض حكيم ومحاميه التعليق على الموضوع.
وفي حين أن الشقاق داخل المسجد إيديولوجي ظاهريا، فهو أيضا عرقي، على الأقل جزئيا. إن معظم المصلين مولودون في الخارج، في حين أن حكيم ومعظم مؤيديه أمريكيون من أصول أفريقية. ومع أن أعضاء هذا المجتمع عاشوا وصلوا معا بسلام طوال عقدين تقريبا، فإن موقف حكيم الجديد أثار مشاعر كامنة قوية وتساؤلات بشأن العقيدة الإسلامية الصحيحة. غولغاي مسعود مهاجر من أفغانستان يبلغ من العمر 62 عاما، وقد كان مقربا من حكيم طوال سنوات، لكنه يعارض بشدة التغييرات التي أرساها. يقول مسعود إن حكيم ومؤيديه "ليسوا ملمين بالإسلام ... والدي وأجدادي مسلمون منذ 1400 سنة. لن يعلمني كيف أمارس الديانة الإسلامية".
ويقول المسلمون الأمريكيون من أصول أفريقية إن ردات الفعل هذه مألوفة. إسماعيل ميتشيل الذي ترعرع في شيكاغو باعتباره أمريكيا مسلما من أصول أفريقية يقول إنه لم يشعر بالانتماء إلى المجتمع قط. المسلمون السود "في موقع غامض. نحن نتعرض لانتقادات من العرب ونتعرض لانتقادات من السود"، كما يقول ميتشيل، وهو طالب في الـ21 من العمر يدرس في جامعة إلينوي بإربانا شامباين. ولا يريد أي من الفريقين احتضانه، كما يضيف. "وكأننا منبوذون من المجتمع بأسره".
لقد انتقد المسلمون الأمريكيون التغطية الإعلامية لدراسة بيو، قائلين إنها ركزت كثيرا على الأخبار السيئة ولم تركز بما يكفي على الأخبار الجيدة. لكن لا بد من إعادة ذكر الأخبار السيئة: 26 بالمائة من المسلمين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاما يعتقدون أنه يمكن تبرير التفجيرات الانتحارية. ويعتقد 38 بالمائة من هذه المجموعة أن العرب ليسوا منفذي هجمات 11 سبتمبر. هذه البيانات، مقرونة بتنامي التوجهات الإسلامية المحافظة في أوساط الأمريكيين المسلمين الشبان، دفعت بعض الخبراء إلى القول إن الفروق بين أوروبا وأمريكا مضخمة، وإن الثراء والتعليم لا يحصنان المجتمع ضد التطرف. تقول جنيف عبدو، مؤلفة Mecca and Main Street (مكة وعامة الشعب): "الفكرة القائلة إن الذين ينتمون إلى الطبقة المتوسطة لا يتأثرون بالتطرف خاطئة من أساسها. لطالما كانت قيادة الحركات المتطرفة مؤلفة من مسلمين ذوي مستوى تعليمي عال".
لايمكن الاستخفاف بالطابع العاطفي للمشاعر المعادية لإسرائيل في أوساط الأمريكيين العرب الشبان، كما يقول إسماعيل أحمد، المدير التنفيذي لمركز المجتمع العربي للخدمات الاقتصادية والاجتماعية في ديترويت. ويضيف: "أظن أن استطلاع الرأي يسيء وصف ما قيل. هناك مقاومة شرعية للظلم، وهناك إرهاب من قبل الطرفين. هذا خاطئ، لكن هناك أيضا الحق في المقاومة". وهو يرى أن أرقام الاستطلاع لا تشير إلى خطر نشوء انتحاريين محليين، بل إلى دفاع حماسي عن حركة مقاومة، مثلما كان مراهق أمريكي من أصل إيرلندي "يؤيد الجيش الإيرلندي الجمهوري قبل 30 عاما".
المشكلة الأعمق تتمثل في الشعور المتنامي في أوساط الشبان المسلمين بأنهم منبوذون، وإحساسهم بأنهم ليسوا جزءا من الكيان الأمريكي. فوفقا لمركز بيو، يعتقد 39 بالمائة من الأمريكيين المسلمين بين سن الـ18 والـ29 أن المسلمين الواصلين حديثا إلى أمريكا يجب أن يبقوا منفصلين عن المجتمع العام، مقارنة بـ17 بالمائة من المسلمين الذين تجاوزوا سن الـ 55 عاما. فردوس ساج الدين هاجر من بنغلادش عام 1975 وأسس صيدلية ناجحة في كوينز. وطوال سنوات، اعتقد ساج الدين أنه سيعود يوما ما إلى بنغلادش، لكن بعد أن زار داكا قبل بضع سنوات أدرك مدى استحالة ذلك» فهو لم يعد يفهم المزاح ولم يعد يشعر بأنه ينتمي إلى تلك الثقافة. يقول: "أنا لا أنكر جذوري. أنا فخور بأنني من بنغلادش، لكن في الواقع أنا أمريكي بنغلادشي"، مضيفا إن هجمات 11 سبتمبر كانت "من أتعس ما حدث في أي مكان من العالم".
ابنه أوتري، البالغ 21 عاما والمقيم مع والديه، وهو الآن في عامه الدراسي الرابع في كلية الصيدلة، لا يشعر بالوطنية مثل أبيه. يقول: "خلال نشأتنا، لم ينظر إلينا أحد على أننا أمريكيون". في 11 سبتمبر، "ويؤسفني قول ذلك، شعرت باللامبالاة إزاء ما حصل. الكثير من أصدقائي لم يأبهوا لذلك. أظن أن السبب هو أننا مسلمون". بالنسبة إليه، فإن قصف أفغانستان لاحقا كان أكثر مأساوية وإيلاما. وهو يؤكد أن الأصوليين "مجانين" وأنه لن يؤيد الإرهاب أبدا.
هذا الشعور بالنبذ أكثر وضوحا في مناطق مثل لاكاوانا، موطن الشبان الستة المدانين. ففي وقت سابق من هذا العام، مُنع أعضاء المنتخب المدرسي والفريق المدرسي من الدرجة الثانية في كرة القدم في لاكاوانا من المشاركة في الدوري المحلي لأنهم يلعبون بخشونة. المنتخب المدرسي، ومعظمه من اليمنيين، يتهم بعض الحكام ومتتبعي اللعبة بأنهم عنصريون. (فقد نعتهم مشاهدو المباريات بـ"الإرهابيين" و"راكبي الجمال"، كما يقول اللاعبون). كما أن اللاعبين خرقوا قواعد السلوك الحسن: بعد خسارتهم مباراة مهمة، بنتيجة 3 مقابل 2، شتموا اللاعبين الآخرين وبصقوا في وجوههم كما يزعم، ويقال إنهم دفعوا أحد الحكام بعنف في إحدى المرات. في بلدة تعاني معدل بطالة عاليا وخطر استسلام الأولاد للمخدرات والإجرام، كانت لعبة كرة القدم طريقة مفيدة لتمضية الوقت، ولو بخشونة في بعض الأحيان. يقول نجم المنتخب حمود العصري، 17 عاما، وهو أحد لاعبي الهجوم في الفريق إنهم كانوا يلعبون "طوال الليل والنهار". كان العصري يأمل في الحصول على منحة دراسية رياضية لدخول جامعة بافالو، لكنه خسر تلك الفرصة عندما مُنع الفريق من اللعب.
كاثي أحمد، 37 عاما، رفضت أن تسمح لابنها جميل، البالغ من العمر 20 عاما الآن، بالانضمام إلى فريق كرة القدم» لم تعجبها الأجواء العنصرية التي كانت سائدة في المدرسة الثانوية الحكومية أو في دوري كرة القدم. عندما سئلت ما إذا كانت قلقة من أن يصبح الشبان في مجتمعها إرهابيين، أجابت بالنفي: شبان لاكاوانا الستة كانوا فتيانا سريعي التأثر وقد أغراهم متطرف ذو شخصية جذابة. "أنا لست قلقة من أن يصبح [فتيان لاكاوانا] إرهابيين. أخشى أن يبتعدوا عن مبادئهم الروحانية. أمور كثيرة تغريهم. أرى أنهم ضائعون". خسارة جميل أحمد وأوتري ساج الدين أسوأ ما يمكن أن يحصل، ليس فقط بالنسبة إليهما، بل بالنسبة إلينا جميعا.
بمشاركة رويا وولفرسون في لاكاوانا وسانهيتا سين في كوينز وكارين بريسلو وروبينا ريتشيتييلو في وادي السيليكون وجولي سكيلفو في ترنتون وأريان كامبو فلوريس في بوسطن وهيلاري شينفيلد في شيكاغو ورقية عشماوي في آن آربور وعايشة عيدي في منيابوليس وكريستوفر ديكي في باريس ومارك هوزنبول ودارين بريسكو وآبي دالتون في واشنطن وأوين ماثيوز في إسطنبول
نيوزويك