اللجنة العربية الدولية لإحياء ذكرى النكبة تعلن العام الحالي عام مسيرات واعتصامات في ا
أبو غربية عايش الثورات الفلسطينية منذ عام 1936(الجزيرة نت)
حاوره: محمد النجار-عمان
تشكل شهادة المناضل الفلسطيني بهجة أبو غربية عن النكبة تأريخا حيا لمنعطف أساسي في القضية الفلسطينية ودور المقاومة المسلحة والشعبية، ودور الجيوش العربية في حرب فلسطين.
وتمثل التفاصيل المتعددة التي قدمها أبو غربية (93 عاما) للجزيرة نت عن مقدمات النكبة وقرار التقسيم وثيقة هامة في تاريخ فلسطين الحديث خصوصا وأنه عايش الثورات الفلسطينية منذ عام 1936 إلى يومنا.
وفي ما يلي الحوار الكامل مع المناضل الفلسطيني.
بداية لو حدثتنا أستاذ بهجت عن مقدمات ما قبل النكبة، خاصة بدايات عام 1947 عندما ظهرت بوادر قرار التقسيم؟
في سنة 1939 أصدرت بريطانيا بيانا سياسيا عرف باسم الكتاب الأبيض، كان البيان قرارا بريطانيا بوقف الهجرة اليهودية لفلسطين، وبالنسبة لنا كان إعلانا يمكن التلاعب فيه، لكنه بالنسبة للحركة الصهيونية كان إعلانا خطيرا كونه سيوقف المشروع الصهيوني.
وهذا أدى لأن يجن جنون اليهود الذين شنوا حربا على بريطانيا في فلسطين وقاموا بعمليات عسكرية واسعة وأذلوا الإنجليز في بعض الحالات، واستمر ذلك في الأربعينات، وهذا الوضع أشعرنا بالخطر، واستمر ذلك حتى شهر فبراير/شباط عام 1947 عندما أعلنت بريطانيا أنها ستتخلى عن الانتداب على فلسطين، وتعيد القضية للأمم المتحدة، وهذا معناه أنه عندما يخرج الإنجليز ستتجه هذه العمليات الإرهابية العسكرية الصهيونية ضدنا، وتملأ الفراغ وهذا أشعرنا بالخطر الشديد.
ومنذ ذلك الوقت بدأنا نتحرك، خاصة عبر الهيئة العربية العليا بقيادة الحاج أمين الحسيني، وبشكل أخص كان عبد القادر الحسيني ينظم مقاومة في حال انتهاء الانتداب البريطاني وتوجه الإرهاب اليهودي نحونا.
كانت الظروف صعبة ومع ذلك نظمنا بعض صفوف المقاومة، وكان عبد القادر الحسيني رحمه الله على علاقة منذ عام 1936 بشخصيات نضالية كثيرة بدأ الاتصال بها، وأنا شخصيا قابلته في أبريل/نيسان عام 1947، وتمكنا من الترتيب للمقاومة المسلحة في القدس، رغم أن القوانين البريطانية كانت تحكم بالإعدام على من يحوز السلاح في ذلك الوقت.
وكان عبد القادر الحسيني ينوي جمع الأسلحة من مخلفات الحرب في ليبيا، وهذا للأسف تأخر جدا، أنا كانت مهمتي في القدس وكان هناك أشخاص موزعون على كافة مدن فلسطين.
"
لم يكن هناك أي جهاز مركزي فلسطيني يقوم على التسليح، وكل ما كان يجري هو محاولات فردية فقط
"
هل هناك أسماء تحضرك في هذه اللحظة؟
يحضرني الشيخ حسن سلامة في منطقة يافا، وصبحي شاهين في منطقة طبريا وحيفا، وهناك أسماء كثيرة لا تحضرني الآن، ومن هؤلاء الناس أعيد تشكيل جيش الجهاد المقدس، في القدس مثلا بدأنا بجمع الأسلحة بشكل متواضع لأننا كنا نجمع المال من جيوبنا.
ألم يكن هناك دعم أو تبن من أي جهة أو دولة؟
لم يكن هناك أي جهاز مركزي فلسطيني يقوم على التسليح، وكل ما كان يجري هو محاولات فردية فقط، لكن الحاج أمين الحسيني طرح على جامعة الدول العربية اقتراحا يقضي بإنشاء حكومة فلسطينية لتملأ الفراغ بعد انتهاء الانتداب البريطاني في فلسطين في 15 مايو/أيار عام 1947، وهذا رفض من قبل الجامعة العربية للأسف من ناحية سياسية.
كيف فسرتم قرار جامعة الدول العربية في حينها خاصة أنه قرار قد ينظر إليه على أنه خطير في تلك المرحلة؟
الجامعة فسرت القرار صراحة أنه إرضاء للأردن والعراق، لأن البلدين مانعتا ذلك وأنت تعلم أن قرارات الجامعة العربية تصدر بالإجماع.
أنا وغيري من السياسيين في ذلك الوقت كنا نعلم أنه في شهر أبريل/نيسان عام 1947 ذهب توفيق أبو الهدى رئيس وزراء شرق الأردن إلى بريطانيا برفقة كلوب باشا أو العكس، واجتمع مع بيرين رئيس الحكومة البريطانية في ذلك الوقت، واتفقوا على أن تضاف حصة التقسيم بالنسبة للعرب لشرق الأردن، وأن لا يجري قتال بين الجيش الأردني والهاغاناة والعراق كان السند الرئيسي لسيطرة الأردن على الضفة الغربية، صدر قرار التقسيم عام 1947 ورفضناه.
لماذا رفضتموه؟ هناك من يعتبر هذا الرفض خطأ تاريخيا، ما رأيك؟
شعبيا كان ذلك مرفوض قطعيا لأسباب كثيرة، ورفضته الهيئة العربية العليا، والدول العربية أيضا، نحن كنا نعتقد أن كلمة تقسيم كلمة سياسية للتضليل، والهدف كان إقامة دولة يهودية في فلسطين، والسؤال كان يجب أن يقال لماذا رفضتم قيام دولة يهودية في فلسطين؟
اليهود كانوا لا يملكون من فلسطين في ذلك الوقت سوى 5.6% من أرض فلسطين، والتقسيم كان سيعطيهم 51% من هذه الأرض.
كان مرفوضا من حيث المبدأ أن نقبل قيام دولة يهودية على أرض فلسطين، لا يمكن أن يكون ذلك مقبولا بالنسبة لنا، وبالتأكيد كان ذلك سيتم على حساب التهجير، وكان من الواضح أن التهجير سيتم بالمذابح، اليهود كانوا ينفذون مذابح ممنهجة لتنفيذ التهجير، ثم كان معلوما أن التقسيم هو بداية موطىء القدم لليهود لينطلقوا في مشروعهم نحو الأردن وغيره من الدول العربية.
هناك أمر منسي وهو أنه في ثورة 1937 وتحديدا في العام نفسه صدر قرار تقسيم من بريطانيا بالتقسيم ورفضناه وقاومناه مما دفع بريطانيا لسحبه، إذن كان لنا أمل بإسقاط القرار الجديد، خاصة أننا كنا نعرف أن الجيوش العربية ستكون معنا هذه المرة.
وهناك سبب آخر، وهو أنه عندما قررت بريطانيا إنهاء الانتداب، شكلت لجنة من الأمم المتحدة، لتدرس ماذا ستعمل الأمم المتحدة عندما ينتهي الانتداب.
اللجنة درست الموضوع لأشهر وفي النهاية وصلت لقرارين، قرار أغلبية يقضي بالتقسيم، وقرار أقلية كان ينادي باستقلال فلسطين بالموجودين عربا ويهودا، وهذا كان لصالحنا لأننا كنا نشكل الأغلبية وهذا ضد مصالح اليهود،
أي أنه كان هناك أمل في الأمم المتحدة.
"
الحاج أمين الحسيني طرح على جامعة الدول العربية اقتراحا يقضي بإنشاء حكومة فلسطينية لتملأ الفراغ بعد انتهاء الانتداب البريطاني في فلسطين في 15 مايو/أيار عام 1947، وهذا رفض من قبل الجامعة العربية للأسف من ناحية سياسية.
"
وبالفعل عندما صدر قرار التقسيم عام 1947 كانت هناك معارضة شديدة، والرئيس الأميركي هاري ترومان أجل التصويت عدة أيام، وقام برشوة دول وتهديد دول أخرى ليحصل على الأغلبية.
وأنا أعتقد حتى اليوم أن قرارنا كان صحيحا، لأنه لو قبلنا قرار التقسيم لكان المجال مفتوحا أمام اليهود لاستكمال مشروعهم.
ماذا حدث بعد أن صدر قرار التقسيم؟
اليهود كانوا يعرفون أوضاعنا فبدؤوا القتال فورا، في القدس بدؤوا بعد صدور القرار بخمسة أيام بعمليات حربية من خلال إطلاق النار على الأحياء العربية، وكان وضعنا كمقاومة انتظاري وتنظيمي وننتظر وصول الأسلحة ومع ذلك كانت مقاومتنا مستميتة، بينما لم يكن اليهود واثقين من أنفسهم.
وحصل شيء تاريخي يؤكد ذلك، وهو أنه نتيجة لهذه الاشتباكات تمت محاصرة مائتي ألف يهودي في القدس، وقاموا بالرد عبر عمليات إرهابية كبيرة، وقمنا بالرد بشيء أشد عبر نسف شارع بن يهودا، وشارع الوكالة اليهودية، وهي مقر الحكومة اليهودية، ومحاصرة الحي اليهودي والقسم الغربي من القدس، والطريق الرابط بين القدس ويافا تم قطعها تماما.
في هذه الفترة وحتى 19 مارس/آذار عام 1948 أعلن ران أوستن ممثل الولايات المتحدة في الأمم المتحدة علانية اقتراحا يقول إن الولايات المتحدة لم تعد متمسكة بقرار التقسيم، وتقترح على الأمم المتحدة وضع فلسطين تحت الوصاية المؤقتة.
إذن المقاومة جاءت بنتائج؟
نعم المقاومة أتت بنتائج مهمة، ووافق على الاقتراح بريطانيا وفرنسا والصين، وهي الدول المؤسسة للأمم المتحدة، وهؤلاء ضغطوا على ترومان، وحتى شهر نيسان من عام 1948 كانت الكفة ترجح لصالحنا ليس فقط في القدس وإنما في فلسطين كلها، لكن ابتداء من أبريل/نيسان من نفس العام بدأت الكفة ترجح لصالح اليهود.
ما الذي حدث حتى تنقلب موازين الحرب؟
وصل اليهود دعم عسكري كبير جدا، أما نحن فوصلتنا إمدادات بسيطة جدا.
من أبرز الجهات التي كانت تساعدكم ولو بالقليل؟
الأسلحة التي وصلتنا على قسمين، قسم بجهود محلية بواسطة جمع النقود وشراء أسلحة من مهربين من الأردن، والقسم الثاني كان يتم من خلال الهيئة العربية العليا التي أوصلت لنا أسلحة من مصر وجاءتنا بعض الأسلحة من لبنان أيضا.
أين كانت الجامعة العربية وجيش الإنقاذ في تلك المرحلة؟
الجامعة العربية شكلت لجنة عسكرية لإدارة القتال في فلسطين، وكان على رأسها طه باشا الهاشمي، وإسماعيل صفوت، وهما عراقيان، وضمت اللجنة آخرين، وتم تشكيل جيش الإنقاذ، لكنهم حاولوا منع عبد القادر الحسيني من دخول فلسطين، وفي اتفاق عقده الحاج أمين الحسيني مع الجامعة العربية تمت الموافقة على دخول عبد القادر على أن تكون مسؤوليته في القدس فقط، وأن يكون الضبط والربط العسكري عبر اللجنة العربية التي كان مقرها سوريا.
طبعا عبد القادر الحسيني لم يتقيد بهذه القيود من جانب الدول العربية، وفي هذه المرحلة مالت الكفة لصالح اليهود، ومن المصائب التي حدثت أن اليهود شردوا كافة القرى العربية من حيفا حتى تل أبيب، وعندنا في القدس حدثت معركة القسطل التي استشهد فيها عبد القادر الحسيني وهذه كانت نكبة جديدة علينا.
في هذه الفترة حدثت معارك رفعت المعنويات، منها معركتا القدس وبيت لحم ولم ينقذ اليهود من المعركتين سوى الجيش البريطاني.
"
الشباب الذين تطوعوا في جيش الإنقاذ هم شباب عرب وفلسطينيون متحمسون للقتال والشهادة، سواء العسكريون أو غيرهم، لكن اللجنة العسكرية أخذت فترة لتنظيم الجيش وتدريبه في قطنا قرب دمشق، وكانت مهمة هذا الجيش محددة.
"
أمام هذا التقهقر الذي عانيتم منه ماذا كان دور جيش الإنقاذ الذي دفعت به الدول العربية لحماية فلسطين؟
الشباب الذين تطوعوا في هذا الجيش هم شباب عرب وفلسطينيون متحمسون للقتال والشهادة، سواء العسكريون أو غيرهم، لكن اللجنة العسكرية أخذت فترة لتنظيم الجيش وتدريبه في قطنا قرب دمشق، وكانت مهمة هذا الجيش محددة.
وأطلعني الشيخ أمين الحسيني شخصيا على وثيقة هي عبارة عن اتفاقية بين اللجنة العسكرية وبريطانيا على كيفية ودور الجيش داخل فلسطين، لأن جيش الإنقاذ كان سيدخل من الأردن، وفي تلك الفترة كان كلوب باشا هو الحاكم الفعلي للأردن، والشروط كانت تقتضي أن لا يتخطى جيش الإنقاذ حدود التقسيم، أي أن الخطة العامة هي تثبيت التقسيم وحماية حصة العرب منها.
ما يؤكد هذه الوثيقة أن جيش الإنقاذ عندما دخل عسكر في مناطق جبع وجنين، وكان لا يتدخل في القتال، ومن الأدلة على ذلك أن حيفا، التي كانت الميناء الرئيسي لفلسطين، كانت قريبة جدا من جنين، وأي عسكري يجب أن يسبق للسيطرة على الميناء، لكن الجيش رفض التحرك للسيطرة على حيفا.
كما أنه كان هناك تذمر من قبل المتطوعين في الجيش من الأوامر التي كانت تعطى لهم، وأنا شخصيا جاءتني دفعتان من المقاتلين المتطوعين في جيش الإنقاذ يطلبون الانضمام لجيش الجهاد المقدس، لكن عبد القادر الحسيني طلب مني أن أعتذر لهم لأنه لم يكن يريد المزيد من المشاكل مع جيش الإنقاذ.
|